باب في قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ
) باب في قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ 1748 - 34 [1265] عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ: أَصَبْتُ سَيْفًا ، فَأَتَيت بِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَلتَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نَفِّلْنِيهِ ، قَالَ: ضَعْهُ . ثُمَّ قَامَ . فَقَالَ: نَفِّلْنِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أو أجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ضعه من حيث أخذته .
قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الآية . ( 6 ) ومن باب: قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قول سعدٍ : ( نزلت فيَّ أربعُ آيات ) ، ولم يذكر غير آية واحدة هنا ، وقد جاءت الثلاثة الباقية مبيّنة في كتاب مسلم ، وسيأتي . وقوله : ( نفلنيه ) ؛ أي : أعطني إيَّاه .
قال لبيد : إن تقوى ربنا خيرُ نَفَل وبإذن الله رَيْثِي والعجل ومنه سُمي الرَّجل نوفلاً لكثرة عطائه . ويكون النفل أيضًا: الزيادة . ومنه نوافل الصلوات ، وهي الزوائد على الفرائض .
وقوله : ( أو أُجعل كمن لا غناء له ) ؛ الرِّواية الصحيحة بفتح الواو ، ومن سكَّنها غلط ؛ لأنها الواو الواقعة بعد همزة الاستفهام ، ولا تكون إلا مفتوحة . وأما ( أو ) الساكنة : فلا تكون إلا لأحد الشيئين . وهذا الاستفهام من سعد على جهة الاستبعاد والتعجب من أن ينزل من ليس في شجاعته منزلته ، لا على جهة الإنكار ، لأنه لا يصح ، ولا يحل الإنكار على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لا سيما ممن يكون في منزلة سعد ، ومعرفته بحق النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واحترامه له .
و( الغناء ) بفتح الغين ، والمد : النفع . و( الغِنى ) - بكسر الغين والقصر - : كثرة المال . وقوله : ( فنزلت هذه الآية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ ؛ يقتضي أن يكون ثمَّ سؤال عن حكم الأنفال ، ولم يكن هنالك سؤال عن ذلك على ما يقتضيه هذا الحديث ، ولذلك قال بعض أهل العلم : إن ( عن ) صلة .
ولذلك قرأ ابن مسعود بغير ( عن ) : ( يسألونك عن الأنفال ) . وقال بعضهم : إن ( عن ) بمعنى ( مِنْ ) ؛ لأنه إنما سأل شيئًا معينًا ، وهو السيف ، وهو من الأنفال . و( الأنفال ) : جمع نفل - بفتح الفاء - ؛ كجمل وأجمال ، ولبن وألبان .
وقد اختلف في المراد بالأنفال هنا في الآية ؛ هل هي الغنائم ؟ لأنها عطايا ، أو هي مما ينفل من الخمس بعد القسم ؟ وكذلك اختُلف في أخذ سعد لهذا السيف ؛ هل كان أخذه له من القبض قبل القسم ، أو بعد القسم ؟ وظاهر قوله : ( ضعه حيث أخذته ): أنه قبل القسم؛ لأنه لو كان أخذه له بعد القسم لأمره أن يرده إلى من صار إليه في القسم . وقوله تعالى : قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ؛ ظاهره إن حملنا الأنفال على الغنائم ؛ أن الغنيمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليست مقسومة بين الغانمين . وبه قال ابن عباس وجماعة .
ورأوا : أنها منسوخة بقوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الآية ، وظاهرها : أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين . وقد روي عن ابن عباس أيضًا : أنها محكمة ، غير منسوخة ، وأن للإمام أن ينفل من الغنائم ما شاء لمن شاء ؛ لما يراه من المصلحة . وقيل : هي مخصوصة بما شذّ من المشركين إلى المسلمين من : عبدٍ ، أو أمَةٍ ، أو دابةٍ .
وهو قول عطاء ، والحسن . وقيل : المراد بها : أنفال السَّرايا . والأولى : أن الأنفال المذكورة في هذه الآية هي ما ينفله الإمام من الخمس ؛ بدليل قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ولا يصح الحكم بالنسخ ؛ إذ الجمع بين الآيتين ممكن ، ومتى أمكن الجمع فهو أولى من النسخ ، باتفاق الأصوليين .
وقال مجاهد في الآية : إنها محكمة ، غير منسوخة ، وأن المراد بالأنفال : ما ينفله الإمام من الخمس . وعلى هذا : فلا نفل إلا من الخمس ، ولا يتعين الخمس إلا بعد قسمة الغنيمة خمسة أخماس ، وهو المعروف من مذهب مالك ، وقد روي عن مالك : أن الأنفال من خمس الخمس . وهو قول ابن المسيب ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، والطبري .
وأجاز الشافعي النفل قبل إحراز الغنيمة ، وبعدها . وهو قول أبي ثور ، والأوزاعي ، وأحمد ، والحسن البصري . وقوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ؛ أي : أصلحوا فيما بينكم ، وأطيعوا الله ورسوله فيما أمركم به من الرضا بما قسم لكم إن كنتم محققين إيمانكم .
وهذا يدل على أنهم وقع فيما بينهم شنآنٌ ومنافرةٌ بسبب الغنيمة . ويدل على هذا : ما رواه أبو أمامة الباهلي قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال؟ فقال : فينا - أصحاب بدر - نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، وجعله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقسمه علينا على بواء ؛ أي : على سواء . وعن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر : ( من فعل كذا ، فله كذا ) ، فتسارع الشبان ، وثبت الشيوخ مع الرَّايات ، فلما فتح لهم ، جاء الشبان يطلبون ما جعل لهم ، فقال لهم الأشياخ : لا تذهبون به دوننا ، فقد كنَّا ردءًا لكم ، فأنزل الله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ