باب ما يخمس من الغنيمة وما لا يخمس وكم يسهم للفرس والرجل
) باب ما يخمس من الغنيمة وما لا يخمس وكم يسهم للفرس والرجل 1756 [1274] عن أبي هُرَيْرَةَ ، َقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا ، وَأَقَمْتُمْ فِيهَا ، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا ، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ . ( 10 ) ومن باب: ما يخمس من الغنيمة وما لا يخمس قوله : ( أيما قرية أتيتموها ، وأقمتم فيها ، فسهمكم فيها ) ؛ يعني بذلك - والله أعلم - : أن ما أجلي عنه العدو ، أو صولحوا عليه ، وحصل بأيدي المسلمين من غير قتال ، فمن أقام فيه كان له سهم من العطاء . وليس المراد بالسَّهم هنا : أنها تخمس ، فتقسم سهامًا ؛ لأن هذا هو حكم القِسم الآخر الذي ذكره بعد هذا ، حيث قال : ( وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله ، ثم هي لكم ) .
تُقسم أخماسًا ، فيكون الخمس لله ورسوله ، وأربعة أخماسها لكم . يخاطب بذلك الغانمين . وهذا كما قال تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ الآية .
ولم يختلف العلماء في أن أربعة أخماس الغنيمة تقسم بين الغانمين . وأعني بالغنيمة ما عدا الأرضين ، فإن فيها خلافًا يذكر إن شاء الله تعالى . وأما الأسرى ففيهم الخلاف المتقدم .
وأما الخمس والفيء : فهل يقسم في أصناف ، أو لا يقسم ؟ وإنما هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده ، فيأخذ منه حاجته من غير تقدير ، ويعطي القرابة منه باجتهاده ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين . وهذا هو مذهب مالك ، وبه قال الخلفاء الأربعة ، وبه عملوا ، وعليه يدل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ) ، فإنه لم يقسمه أخماسًا ، ولا أثلاثًا . وأما من قال : بأنه يقسم فقد اختلفوا ، فمنهم من قال : يقسم على ستة أسهم : سهم لله ، وسهم للرسول ، وهكذا بقية الأصناف المذكورة في الآية .
ثم منهم من قال : إن سهم الله يدفع للكعبة . وبه قال طاوس ، وأبو العالية . ومنهم من قال : للمحتاج .
وأما سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان له في حياته ، ثم هو للخليفة بعده . وقيل : يصرف في مصلحة الغزاة . وقيل : يرد على القرابة .
وقال الشافعي : يقسم على خمسة . ورأى : أن سهم الله ورسوله واحد . ثم إنه يصرف في مصالح المسلمين .
والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية . وقال أبو حنيفة : يقسم على ثلاثة أسهم : سهم لليتامى ، وسهم لابن السبيل ، وسهم للمساكين ، فأما سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسهم القرابة ، فقد سقط ؛ لأنه إنما كان لهم لغنائهم ونصرتهم ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يأخذه لنبوته . وأما ذكر الله في أول الآية : فهو على جهة التشريف لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لئلا يأنف من الأخذ .
هذا نقل حُذاق المصنفين . قلت : ولا شك في أن الآية ظاهرة في قسمة الخمس على ستة ، ولولا ما استدل به لمالك من عمل الخلفاء على خلاف ظاهرها ، لكان الأولى التمسُك بظاهرها ، لكنهم -رضي الله عنهم- هم أعرف بالمقال ، وأقعد بالحال ، لا سيما مع تكرار هذا الحكم عليهم ، وكثرته فيهم . فإنهم لم يزالوا آخذين للغنائم ، قاسمين لها طوال مدتهم ؛ إذ هي عيشهم ، ومنها رزقهم ، وبها قام أمرهم ؛ فكيف يخفى عليهم أمرها ، أو يشذ عنهم حكم من أحكامها ؟ هذا ما لا يظنُّه بهم من يعرفهم .