باب في غزاة حنين وما تضمنته من الأحكام
78 و 79 و 80 [1292] وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ ، فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ ، أَوْ كَثِيرُ سِلَاحٍ ، فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ ، جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ ، فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ فَقَالَ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ -زاد في رواية: اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ- قال : ثم صفهم . قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِي بِهِ ، يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . وَفِي رواية : وَلَكِن رَسُول اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَفِرَّ ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ يَوْمَئِذٍ رُمَاةً ، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ انْكَشَفُوا ، فَاَنكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ ، فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ .
و( الحسر ) : جمع حاسر ، وهو الذي لا درع معه ، ولا شيء يتقي به النبل . و( الأخفاء ) : المسرعون ، المستعجلون . وقد رواه الحربي ، والمغربي : ( جفاء من الناس ) بجيم مضمومة مخففة والمد ، وفسَّره المهدوي بالسراع ، شبههم بجفاء السيل ، وهو غثاؤه .
وقال غيره : إنما أراد به أخلاط الناس ، وضعفاءهم ممن لم يقصد القتال ، بل الغنيمة ، وفي قلبه مرض ، شبههم بغثاء السيل ، وهو ما احتمله السيل . و( استنصر ) ؛ أي : سأل النصر ، ودعا به . وقوله : ( أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ) ؛ أي : أنا النبي المعروف عند علماء الكتاب ، المنعوت في كتبهم حقًّا بلا كذب .
وانتسابه لعبد المطلب ؛ لأنه بذلك كان شهر عندهم ؛ لأن أباه عبد الله مات وتركه حملاً ، فولد ، ونشأ في حجر جدِّه عبد المطلب ، ثم إن عبد المطلب أحبه حبًّا شديدًا ، بحيث كان يفضله على أولاده ، لما كان ظهر له من بركاته ، وكراماته ، فكان يلازمه لذلك ، فعرف به ، ولذلك ناداه ضمام بن ثعلبة : يا بن عبد المطلب ! فانتمى هو عند الحرب على عادة الشجعان في انتسابهم لمن كان يعرف به . وقيل : إنما كان ذلك منه تنبيهًا على ما قال سيف بن ذي يزن لعبد المطلب حين قدم عليه في وفد قريش ، حيث بشره بأنه يكون من ولده نبي يقتل أعداءه . ولم يكن ذلك منه -صلى الله عليه وسلم- على جهة الافتخار بآبائه ، فإن ذلك من خلق الجاهلية التي قد نهى عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وحرَّمها ، وذمَّ من انتمى إليها .
لا يقال ؛ يصح أن ينسب هذا الشعر للنبي -صلى الله عليه وسلم- مع قوله تعالى : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ؛ لأنا نجيب عن ذلك بأوجه : أحدها : أن هذا قصد به السجع لا الشعر ، فليس بشعر . قيل قد قال الأخفش : إن هذا رجز ، والرجز ليس من الشعر . والثاني : أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يقصد نظمًا ووزنًا فيكون شعرًا ، فقد يأتي في الكلام والقرآن ما يتزن بوزن الشعر وليس بشعر ، كقوله تعالى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وقوله : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وكثيرا ما يقع للعوام في كلامهم المقــفى الموزون ، وليس بشعر ، ولا يسمى قائله شاعرًا ؛ لأنه لم يقصده ، ولا شعر به .
والشعر إنما سمي بذلك ؛ لأن قائله يشعر به ويقصده نظمًا ، ووزنًا ، ورويًا ، وقافية ، ومعنى . والثالث : على تسليم أن هذا شعر فلا يلزم منه أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- عالِمًا بالشعر ، ولا شاعرًا ؛ فإن التمثل بالبيت الندر ، وإصابة القافيتين من الرجز وغيره ؛ لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشعر ، ولا يسمى شاعرًا باتفاق العقلاء . وأما الذي نفى الله عن نبيه -صلى الله عليه وسلم- فهو العلم بالشعر ، وأصنافه ، وأعاريضه ، وقوافيه ، والاتصاف بقوله ، ولم يكن موصوفًا بشيء من ذلك بالاتفاق ، ألا ترى أن قريشًا تراوضت فيما يقولون للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم ، فقال بعضهم : نقول : إنه شاعر .
فقال أهل الفطنة منهم : والله لتكذبنكم العرب ، فإنهم يعرفون أصناف الشعر ، فوالله ما يشبه شيئا منها ، وما قوله بشعر . وقال أنيس أخو أبي ذر : لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم أنه شعر . وكان أنيس من أشعر العرب .
وهذا الوجه هو المعتمد في الانفصال . والله تعالى أعلم . وفائدة قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( أنا النبي لا كذب ) إلى آخره ؛ جواز الانتماء عند الحرب ، كما قال سلمة بن الأكوع : خذها وأنا ابن الأكوع .
وقد روي ذلك عن جماعة من السَّلف . وقال ابن عبد الحكم من أصحابنا : إنما يكره أن يكون ذلك على وجه الكبر ، والافتخار ، كما كانت الجاهلية تفعل . وقوله- أعني البراء - : ( كنا إذا احمر البأس نتقي به ) ؛ هذا كناية عن شدة الحرب ، إما لحمرة دم الجرحى والقتلى .
وإما لتشبيه ذلك بحمرة جمرة النار . و( البأس ) هنا : الحرب . وقوله : ( ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يفرّ ) ؛ هذا هو المعلوم من حاله ، وحال الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم ؛ من إقدامهم ، وشجاعتهم ، وثقتهم بوعد الله تعالى ، ورغبتهم في الشهادة ، وفي لقاء الله تعالى .
ولم يثبت قط عن واحد منهم : أنه فرَّ ، أو انهزم ، ومن قال ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فقال : فرَّ أو انهزم ؛ قتل ، ولم يستتب ؛ لأنه صار بمنزلة من قال : إنه -صلى الله عليه وسلم- كان أسود ، أو أعجميًا ، فأنكر ما علم من وصفه قطعًا ، وكذب به ، وذلك كفر ، ولأنه قد أضاف إليه نقصًا وعيبًا . وقد حكى أصحابنا الإجماع على قتل من أضاف إليه نقصًا أو عيبًا . وقيل : يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل .