باب فيما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى قريش
) باب فيما لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- من أذى قريش 1794 - 107 [1312] عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَأْخُذُهُ ، فَيَضَعُهُ على كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ -وفي رواية عقبة بن أبي معيط - ، فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ -وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ- فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَاتَهُ، رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ ، سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ . ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) . فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ، ذَهَبَ عَنْهُمْ الضِّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ .
قَالَ أَبُو إِسْحَاقِ . وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ ، قَلِيبِ بَدْرٍ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، غَلَطٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وفي رواية : الوليد بن عتبة .
( 26 ) ومن باب: ما لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- من أذى المشركين الجزور من الإبل : ما يجزر ؛ أي : يقطع . والجزرة من الشاء ، و( سلاها ) مقصورًا ، مفتوح السين : هي الجلدة التي يكون فيها الولد ، كاللفافة يقال لها من سائر البهائم : سلى ، ومن بني آدم : المشيمة . وقوله : ( فاستضحكوا ) بضم التاء ، وكسر الحاء مبنيًّا لما لم يسم فاعله ؛ أي : أضحكوا ، ومال بعضهم على بعض مبالغة في الضحك والاستهزاء .
و( منعة ) بسكون النون ؛ أي : منع وقوة ؛ وإنما قال ابن مسعود -رضي الله عنه- ذلك ؛ لأنه لم تكن له عشيرة فيهم ؛ لأنه من هذيل ، فلم يكن له قوم يمتنع بهم ، ولا يمنع غيره . وقد روي : ( ومنعة ) بالفتح : جمع مانع ، ككاتب وكتبة . واستمرار النبي -صلى الله عليه وسلم- على سجوده والنجاسة عليه يدل لمن قال : إن إزالة النجاسة ليست بواجبة .
وهو قول أشهب من أصحابنا ، كما تقدَّم في الطهارة ، على أن بعض علمائنا قال : إن السَّلى لم تكن فيها نجاسة محققة . ومنهم من قال بموجبه ، ففرَّق بين ابتداء الصلاة بالنجاسة ؛ فقال : لا يجوز . وبيّن طروئها على المصلي في نفس الصلاة فقال : يطرحها عنه ، وتصح صلاته ، والمشهور من مذهب مالك - رحمه الله - : قطع طروئها للصلاة إذا لم يمكن طرحها ، بناءً على أن إزالتها واجبة .
وإقبال فاطمة رضي الله عنها على أشراف قريش وكبرائهم تسبُّهم وتلعنهم دليل على قوة نفسها من صغرها ، وعلى عزتها وشرفها في قومها . وخوفهم من دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- دليل على علمهم بفضله وبصحة حاله ، ومكانته عند الله تعالى ، وأنه من الله تعالى بحيث يجيبه إذا دعاه ، ولكن لم ينتفعوا بذلك الحسد والشقوة الغالبة عليهم . ووقع هنا في أصل كتاب مسلم : الوليد بن عقبة - عند جميع رواته- ، وصوابه : الوليد بن عتبة كما قال في الرواية الأخرى .
وقول أبي إسحاق : ( لم أحفظ السابع ) . ذكر البخاري : أنه عمارة بن الوليد ، وكذلك ذكره البرقاني . وقول ابن مسعود : ( لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر ) ؛ يعني به : أكثرهم ، وإلا فعمارة بن الوليد ؛ ذكر أهل السِّير : أنه هلك في أرض الحبشة حين اتهمه النجاشي فنفخ في إحليله سحرًا ، فهام على وجهه في البرّية فهلك .
ويدل على ذلك أيضًا : أن عقبة بن أبي مُعَيْطٍ لم يقتل ببدر ، بل حمل منها أسيرًا حتى قتله النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرق الظبية صبرًا . و( القليب ) : البئر غير المطوية . وإجابة الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في مثل هذا الدعاء من أدلة نبوَّته ، وصحتها .
و( سُحِبوا ) : جروا على وجوههم .