باب في غزوة خيبر وما اشتملت عليه من الأحكام
124 [1319] وعنه قال : لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، قَاتَلَ أَخِي قِتَالًا شَدِيدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي ذَلِكَ، وَشَكُّوا فِيهِ: رَجُلٌ مَاتَ فِي سِلَاحِهِ، وَشَكُّوا فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ خَيْبَرَ . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي أَنْ أَرْجُزَ بَكَ، فَأَذِنَ الرَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَعْلَمُ مَا تَقُولُ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: صَدَقْتَ . فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ قَالَ هَذَا؟ قُلْتُ: قَالَهُ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَرْحَمُهُ اللَّهُ .
قَالَ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! والله إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا . وفي رواية : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كذبوا ، مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا ، فله أجره مرتين - وأشار بإصبعيه . وقوله : ( لما كان خيبر قاتل أخي قتالاً شديدًا ) ؛ القصة مخالفة لما ذكره في الرواية المتقدَّمة ، ولما يأتي بعد في أن هذه القضية إنما وقعت لعمه عامر بن الأكوع ، وهو الصحيح ، فلعل سلمة أطلق على عمه اسم الأخوة لرضاع كان بينهما ، أو لمؤاخاة ، وإلا فهو وهم من بعض الرواة ، والله تعالى أعلم .
وقوله : ( إنه لجاهد مجاهد ) الرواية الصحيحة المشهورة : بكسر الهاء فيهما ، وضم الدال وتنوينها فيهما ، وضم الميم . وعند ابن أبي جعفر : ( لجاهد مجاهد ) ، بفتحها كلها إلا هاء ( مجاهد ) فإنها بالكسر . على أن يكون الأول : فعلاً ماضيًا ، والثاني : جمعًا لا نظير له في الآحاد ، فلم يصرفه .
وكذلك رواه بعض رواة البخاري . والصواب الأول . ومعناه : جاهد جادٌ في أمره .
قاله ابن دريد . والثاني : تكرار على جهة التأكيد . قال ابن الأنباري : العرب إذا بالغت في الكلام اشتقت من اللفظة الأولى لفظة على غير بنائها ، زيادة في التوكيد .
فقالوا : جادٌّ مجدٌ ، وليلٌ لائل ، وشعر شاعر . قال غيره : وقد يكون ( جاهد ) ؛ أي : مبالغ في سبيل الخير . و( مجاهد ) لأعدائه .
قلت : ويظهر لي : أن هذا القول أحسن بدليل قوله في الرواية الأخرى : ( مات جاهدًا مجاهدًا ، فله أجره مرتين ) ؛ فأشار بفاء التعليل إلى الجهتين اللتين يؤجر منهما ، وهما : جاهد مجاهد . فمعنى أحدهما غير الآخر . والله تعالى أعلم .
وقوله : ( قل عربي مشى بها مثله ) ؛ أكثر الروايات على أن ( مشى ) مفتوح الميم على أنه فعل ماض ، و( بها ) بغير تنوين الهاء ، على أنه جار ومجرور . وللفارسي وحده : ( مُشابهًا )- بضم الميم ، وتنوين الهاء- من المشابهة . وفي البخاري لبعض الرواة : ( نشأ بها ) من النشء .
وكل بعيد في المعنى والعربية ، والصواب رواية الجماعة ، والضمير في ( بها ) عائد على الأرض ، وقيل : على الحرب . قلت : ويحتمل أن يعود على الشهادة والحالة الحسنة التي مضى بها إلى الله تعالى . وهذا يعضده المعنى ، ومساق الكلام .
والله تعالى أعلم.