باب في غزوة ذي قرد وما تضمنته من الأحكام
( 30 ) باب في غزوة ذي قرد وما تضمنته من الأحكام 1807 [1320] عن سَلَمَةَ بن الأكوع قَالَ : قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مع رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً ، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا . قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ فَإِمَّا دَعَا ، وَإِمَّا بَسَقَ فِيهَا . قَالَ: فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ .
قَالَ فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ ، ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنْ أول النَّاسِ . قَالَ: بَايِعْ يَا سَلَمَةُ ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولِ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ . قَالَ : وَأَيْضًا .
قَالَ : وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَزِلًا -يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ- قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً ، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ . قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أسط النَّاسِ، قَالَ: وَأَيْضًا . قَالَ: فقد بَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ قَالَ لِي: يَا سَلَمَةُ! أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا .
قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقَالَ: إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ: اللَّهُمَّ أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي . ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ ، حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ ، وَاصْطَلَحْنَا قَالَ : وَكُنْتُ تَبِيعًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَسْقِي فَرَسَهُ ، وَأَحُسُّهُ ، وَأَخْدِمُهُ وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ ، وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . َقَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا ، فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا .
قَالَ: فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَبْغَضْتُهُمْ ، فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى ، وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ ، وَاضْطَجَعُوا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ ، إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي : يَا لِلْمُهَاجِرِينَ! قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ . قَالَ : فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ، وَهُمْ رُقُودٌ ، وَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضغثا في يدي ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ : وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ برجل مِنْ الْعَبَلَاتِ ، يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ ، يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ فِي سَبْعِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ ، وَثِنَاهُ فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَنْزَلَ اللَّهُ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ كُلَّهَا . قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا راجعين إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا ، بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ ، وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ ، فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابِهِ .
قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَأَنَا مَعَهُ ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ ، قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ! ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ وَأَرْتَجِزُ أَقُولُ : أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَأَصُكُّ سَهْمًا فِي رَحْلِهِ ، حَتَّى خَلَصَ النَصْلُ إِلَى كتفه . قَالَ: قُلْتُ خُذْهَا: وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَجَلَسْتُ فِي أَصْلِهَا ثُمَّ رَمَيْتُهُ ، فَعَقَرْتُ بِهِ ، حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ ، فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ ، عَلَوْتُ الْجَبَلَ فَجَعَلْتُ أُرَمِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي ، وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا ، يَسْتَخِفُّونَ وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنْ الْحِجَارَةِ ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ ، حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلَانُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ يَعْنِي يَتَغَدَّوْنَ، وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ قَالَ الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ ، وَاللَّهِ مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ يَرْمِينَا ، حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا . قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ .
قَالَ فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ . قَالَ: فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنْ الْكَلَامِ ، قَالَ: قُلْتُ هَلْ تَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا ، وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ ، وَلَا يَطْلُبُنِي فيدركني ، قَالَ: أَحَدُهُمْ أَنَا أَظُنُّ قَالَ: فَرَجَعُوا فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ . قَالَ فَإِذَا أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَلَى إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ ، قَالَ فَأَخَذْتُ: بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ .
قَالَ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ احْذَرْهُمْ لَا يقتطعوك حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ ، قَالَ: يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ ، فَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ . وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ، حَتَّى مَا أَرَى وَرَائِي مِنْ أَصْحَابِ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَا غُبَارِهِمْ شَيْئًا، حَتَّى يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ، يُقَالُ لَهُ: ذَو قَرَدٍ؛ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ ، وَهُمْ عِطَاشٌ ، قَالَ: فَنَظَرُوا إلي أَعْدُو وَرَاءَهُمْ فَحلَيْتُهُمْ عَنْهُ ( يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ ) فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً قَالَ: وَيَخْرُجُونَ وَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ قَالَ: فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ وَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ . قَالَ قُلْتُ: خُذْهَا: وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يوُمْ الرضع قَالَ: يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ .
قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ . قَالَ وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ على الثَنِيَّةٍ . قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ ، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّيتُهُمْ عَنْهُ ، فَإِذَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَكُلَّ رُمْحٍ وكل َبُرْدَةٍ ، وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنْ الْإِبِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنْ الْقَوْمِ، وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنْ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ .
قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولَ اللَّهِ، -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ! أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ . قَالَ: إِنَّهُمْ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ . قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا ، فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا فَقَالُوا: أَتَاكُمْ الْقَوْمُ ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ ، وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ .
قَالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الْفَارِسِ ، وَسَهْمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا؟ وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي وَأُمِّي ذَرْنِي فَلِأُسَبِقَ الرَّجُلَ . قَالَ: إِنْ شِئْتَ .
قَالَ: قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ، قال : وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ، فَعَدَوْتُ، قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، أَسْتَبْقِي نَفَسِي، ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، قال ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ، قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَاللَّهِ، قَالَ: أَنَا أَظُنُّ، قَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ: تَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا فَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ هَذَا؟ . قَالَ: أَنَا عَامِرٌ، قَالَ: غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ . قَالَ وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ، إِلَّا اسْتُشْهِدَ، قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ ، قَالَ: خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ يَقُولُ: قدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ .
قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ . ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ أَرْمَدُ ، فَقَالَ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ ، وَهُوَ أَرْمَدُ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبَسَقَ فِي عَيْنَيْهِ ، فَبَرَأَ ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ فَقَالَ: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه : أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ قَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ .
( 30 ) ومن باب: غزوة ذي قرد ( الحديبية ) تقال بتخفيف الياء ، وتشديدها ، لغتان . وهو موضع فيه ماء على قرب من مكة ، كما تقدَّم . والرواية الصحيحة المشهورة : ( جَبَا الرَّكية ) بالفتح في الجيم والباء بواحدة مقصورًا ، وهو جانب البئر .
و( الركيَّة ) البئر غير المطوية ، فإذا طويت فهي : الطَّوِيُّ . وللعذري : ( جُبِ ركية ) بضم الجيم ، وكسر الباء . والْجُب : البئر ليست بعيدة القعر .
و( جاشت ) ؛ أي : ارتفعت . يقال : جاش الشيء ، يجيش جيشًا ؛ إذا ارتفع . وقوله : ( حجفة أو درقة ) على الشك من الراوي .
والحجفة : الترس . وإنما يكون من عيدان ، والدّرق من الجلود . واختصاصه -صلى الله عليه وسلم- سلمة بتكرار البيعة ثلاثًا ؛ تأكيدا في حقّه ، لما علم -صلى الله عليه وسلم- من خصاله ، وكثرة غنائه ، كما قد ظهر منه على ما يأتي .
و( عزلاً ) الرواية فيه هنا ، وفي الحرف الآتي بعده : بفتح العين وكسر الزاي . وقال بعض اللغويين : الصواب : أعزل ، ولا يقال : عزل . وقيده بعضهم : عزلاً- بضم العين والزاي- ، وكذا ذكره الهروي ، كما يقال : ناقة عُلُط ، وجمل فُنُق .
والجمع : أعزال . كما يقال : جنب وأجناب ، وماء سُدُمٌ ، ومياه أسدام . والأعزل : الذي لا سلاح معه .
و( أبغني ) : أعطني . يقال : بغيت الشيء من فلان فأبغانيه ؛ أي : أعطاني ما طلبته . وقوله : ( ثم إن المشركين راسلونا الصلح ) ؛ هذه رواية العذري ، وهي من الرسالة .
ورواه جماعة من رواة مسلم : ( راسُّونا ) بسين مهملة مشددة مضمومة ، وهو من : رسِّ الحديث ، يرسه : إذا ابتدأه . ورسست بين القوم : أصلحت بينهم . ورسا لك الحديث رسوًا : إذا ذكر لك منه طرفًا .
وروي : ( راسونا )- بفتح السين- لابن ماهان . قال عياض : ولا وجه لها . قوله : ( كنت تبيعًا لأبي طلحة ) ؛ أي : خديمًا له .
وهو من : تبعت الرَّجل : إذا سرت خلفه . و( أحسه ) أنفض عنه التراب . والحسُّ : الحك .
و( كسحت شوكها ) : كنسته . و( الضغث ) : القبضة من الحشيش وغيره . و( العبلات ) بطن من بني عبد شمس ، نسبوا إلى أم لهم تسمى : عبلة بنت عبيد ، من البراجم .
و( الفرس المجفف ) : الذي عليه تجفاف- بكسر التاء- وهو الجل . و( بدء الفجور ) : أوله ، والفجور ضد البرِّ . و( ثناه ) : عوده ، بكسر الثاء المثلثة ، مقصورًا .
وهي الرواية المشهورة ، ولابن ماهان : ( وثنياه ) بضم الثاء ، وهو بالمعنى الأول . والفجور هنا هو : نقض العهد ، ورَوْم غرة المسلمين ، وكان هذا في صلح الحديبية . وعفو النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هؤلاء السبعين ليتم أمر الصلح .
والله تعالى أعلم . وقد اختلف في سبب نزول قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ على أقوال هذا أحدها ، وهو أصحها . وقوله : ( وهم المشركون ) بضم الهاء ، وتخفيف الميم ، وهي ضمير الجمع .
وقد ضبطه بعض الشيوخ : ( وهَمَّ ) بفتح الهاء ، والميم وتشديدها ؛ على أنه فعل ماض . و( المشركون ) فاعل به . قال عياض : معناه : هم النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين أمرهم لئلا يغدروهم ، ويبيتوهم لقربهم منهم .
يقال : همني الأمر ، وأهمني . ويقال : همَّني : أذابني ، وأهمَّني : غمني . قلت : والأقرب أن يكون معناه : هم المشركون بالغدر ، واستشعر المسلمون منهم بذلك .
و( الظهر ) : الإبل التي تحمل على ظهورها الأثقال . و( أُنَدَّيه مع الظهر ) ؛ أي : أورده الماء فيشرب قليلاً ، ثم أرعاه وأورده . وهي التَّنْدِيَة ، وأصلها للإبل .
وقد تكون التندية في الفرس بمعنى : التضمير ، وهي : أن يجري الفرس حتى يعرق . ويقال لذلك العرق : الندى ، قاله الأصمعي . و( استاقه ) ؛ أي : حمله ، والتاء زائدة للاستفعال .
و( السَّرح ) الإبل التي تسرح في المرعى . و( الأكمة ) : الجبيل الصغير . وقوله : ( يا صباحاه ) هاؤه ساكنة ، وهو يشبه المنادى المندوب ، وليس به .
ومعناه هنا : الإعلام بهذا الأمر المهم الذي قد دهمهم في الصباح . وقوله : ( وأنا ابن الأكوع ) الكوع : اعوجاج في اليدين . قيل : الكوع والوكع في الرجل : أن تميل إبهامها على أصابعها .
واسم الأكوع : سنان بن عبد الله بن بشير ، وهو أبو سلمة على ما ذكره محمد بن سعد . وقيل : اسم أبي سلمة : عمرو بن الأكوع ، وهو جدُّ سلمة ، فنسب إليه . وقوله : ( واليوم يوم الرُّضع ) : الرُّضع : جمع راضع ، وهو اللئيم .
وأصله : أن رجلاً كان يرضع الإبل، ولا يحلبها ، لئلا يُسمَع صوت الحلب فيقصد، فعبَّروا عن كل لئيم بذلك . وعليه قالوا في المثل : لئيم راضع . وقيل : لأنه يرضع اللؤم من أمه ، وهو مطبوع عليه .
وقيل : معناه : اليوم يظهر من أرضعته كريمة أو لئيمة . وقيل : اليوم يعرف من أرضعته الحربُ من صغره . وقوله : ( فأصك سهمًا في رَحْله ، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه ) ؛ كذا روايتنا فيه ، بالحاء المهملة .
ويعني به : أن سهمه أصاب أخرة رحله ، فنفذها ، ووصل إلى كتفه . وفي بعض النسخ : ( فأصكه سهمًا في رجله حتى خلص إلى كعبه ) ، والأول أشبه . و( أصك ) : أضرب .
و( ألحق ) و( أصك ) : مضارعان ، ومعناهما : المضي . وقوله : ( فما زلت أرميهم ) ؛ أي : أرميهم بالسهام ( وأعقر بهم ) خيلهم ، ومنه ( فعقر بعبد الرحمن فرسه ) ، ويحتمل أن يكون معناه : أصيحُ بهم ، من قولهم : رفع عقيرته ؛ أي : صوته . و( يتضحَّون ) ؛ أي : يتغدَّون .
وأصله : يأكلون عند الضحى . و( يُقْرَوْن ) : يُضافون . أخبرهم -صلى الله عليه وسلم- : بأنهم قَدْ وَصَلُوا إِلِى بِلَادِهِمْ ، وِأَنَّهُمْ قَدْ فَاتُوهُمْ .
وَ( الْأَرَام ) : بألف ساكنة من غير همز : الأعلام من الحجارة . قال الشاعر : وبَيْداءَ تَحْسَبُ آرامَها رجالَ إيَادٍ بأجلادِها يعني : بأشخاصها . و( الأرآم ) بهمز الألف : الظباء .
و( القرن ) : جبل صغير منفرد منقطع من جبل كبير . و( البَرْح ) مفتوحة الباء ، ساكنة الراء ، يعني به : المشقة الشديدة . وقوله : ( أنا أظنُّ ) أي : أتيقَّن .
كما قال تعالى : ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾؛ أي تحققت ، وأيقنت . ويحتمل البقاء على أصل الظن الذي هو تغليب لأحد المحتملين ، وقد اقتصر عليها ولم يذكر لها هنا مفعول . ويحتمل أن يكون حذف مفعولها للعلم به ، وهو : ذاك الذي هو إشارة إلى أن المصدر الذي يكتفى به عن المفعولين ، كما تقول : ظننت ذاك .
والله أعلم . و( أعدو على رجلي ) ؛ أي : أشتد في الجري . و( حليتهم ) كذا وقع في رواية القاضي بالياء ، وقال : أصله الهمز فسُهّل .
قلت : وصوابه : الهمز ، وهو أصله ، وهذا تسهيل لا يقتضيه القياس ، وروايتي فيه بالهمز على الأصل . ومعناه : طردتهم عن الماء . و( الثنية ) : الطريق في الجبل .
وقوله : ( يا ثكلته أمه ) يا : للنداء ، والمنادى محذوف ويشبه أن يكون المحذوف ( مَنْ ) الموصولة متعلقة بـ( ثكلته أمه ) ، وكأنه قال : يا من ثكلته أمه فحذفها للعلم بها . ويحتمل غير هذا ، وهذا أشبه . والثكل : الفقد .
والثكلى : المرأة الفاقدة ولدها ، الحزينة عليه . ومنه قولهم : ثكل خير من عقوق ، وكأنه دعا عليه بالفقد والهلاك . وقوله : ( أكوعه بكرة ) الضمير في أكوعه يعود على المتكلم على تقدير الغيبة ، كأنه قال : أكوع الرجل المتكلم ، وقد فهم منه هذا سلمة ، حيث أجابه بقوله : ( أكوعك بكرة ) ، فخاطبه بذلك و( بكرة ) منصوب ، غير منون على الظرف ؛ لأنه لا ينصرف للتعريف والتأنيث ؛ لأنه أريد بها بكرة معينة ، وكذلك : غدوة .
وليس ذلك لشيء من ظروف الأزمنة سواهما فيما علمت . وقوله : ( وأرذوا فرسين ) ، روايتي فيه بالذال ، ومعناه : تركوا فرسين معيبين لم يقدرا على النهوض من الضعف والكلال . والرذية : المعيبة ، وجمعها : رذايا ، ومنه قول الشاعر : ............... .
فهن رذايا في الطريق ودائع وقد روي بالدال المهملة ( أردوا ) ؛ أي : تركوهما هلكى ، من الردى ، وهو الهلاك ، والأول أوجه ؛ لأنه قال : فأقبلت بهما أسوقهما ، فدل على أنهما لم يهلكا ، وإنما ثقلا كلالاً وإعياءً . و( السَّطيحة ) : إناء من جلود يُسطَّح بعضها فوق بعض . و( المذقة ) : القطرة من اللبن الممزوج بالماء .
و( المذق ) : مَزْج اللبن بالماء ، وقد تقدَّم القول في النواجذ ، وأن المراد بها- هنا- : الضَّواحك . وقوله : ( أعطاني سهمين : سهم الفارس ، وسهم الرَّاجل ) ؛ أما سهم الرَّاجل فهو حقُّه ، وأما سهم الفارس فإنما أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- إيَّاه لشدَّة غنائه ، ولأنه هو الذي استنقذ تلك الغنائم ، وهو الذي تنزل منزلة الجيش فيما فعل ، ولم يُسمع بمن فعل مثل فعله في تلك الغزاة ، ثم لعل النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أعطاه سهم الفارس من الخمس ، فإن كان أعطاه من الغنيمة فذلك خصوص به لخصوص فِعله . وقوله : ( ألا مسابقَ ؟ ) ألا مسابق : قيدناه مفتوحًا بغير تنوين ؛ لأنها ( لا ) التي للنفي والتبرئة ، زيدت عليها همزة الاستفهام ، وأشربت معنى التمني ؛ كما قالوا : ألا سيفَ صارما ؟ ألا ماءَ باردا ؟ بغير تنوين على ما حكاه سيبويه ، وأنشد : ألا طِعَانَ ، ألا فُرْسانَ عادِيَة ألا تجشُّؤُكُمْ عِنْدَ التَّنانِيرِ ويجوز الرفعُ على أن تكون ( ألا ) استفتاحًا ، ويكون ( مسابق ) مبتدأ خبره محذوف ، تقديره : ألاَ هنا مسابق ، أو نحوه .
وقول سلمة للرَّجل : أما تكرم كريمًا ، ولا تهاب شريفًا ؟ يدلُ على أنه فهم من قول الرَّجل : ( ألا مسابق ) النفي . فكأنه قال : لا أحدْ يسبقني . فلذلك أنكر عليه سلمة .
ولو كان عرضا فقط لم يكن فيه ما ينكره . و( ذرني ) ؛ أي : دَعني ( فلأسبقَ ) منصوب بلام كي ، على زيادة الفاء . و( طفرت ) : وثبت وقــفزت .
و( ربطت عليه ) : شددت عليه . ( شرفًا أو شرفين ) ؛ يعني : طَلَقاَ أو طَلَقين . ( أستبقي ) أبقي .
( نَفسي ) رويناه بفتح الفاء وسكونها . ففي الفتح يعني به : التنفس . يريد : أنه رفق في جريه مخافةَ ضيق النفس .
وبالسكون يعني به : أروح نفسي وأجمها لجريٍ آخرِ . وقوله : ( ثَمَّ إني رفعت ) ؛ أي : زدتُ في السير . ويروى : ( دفعت ) بالدَال ؛ أي : دفعتُ دفعةَ شديدةً من الجري ، وكلاهما قريب في المعنى .
وقوله : ( اذهب إليك ) ؛ قيدناه على من يوثق بعلمه على الأمر ؛ أي : انفذ لوجهك ، وخذ في الجري . يقوله سلمة وهو راكب خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- للرَّجل الذي قال : ألا مسابق . ولذلك قال : وثنيت رجلي ؛ أي : نزلت عن ظهر العضباء .
و( إليك ) على هذا معمول لـ ( اذهب ) ؛ أي : انفذ لوجهك . وقوله : ( والله! ما لبثنا إلا ثلاث ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبر ) ؛ ظاهر هذا الكلام : أن غزوة خيبر كانت على إثر غزوة ذي قرد ؛ إذ لم يكن بينهما إلا هذا الزمان اليسير ، الذي هو ثلاث ليال ، وليس كذلك عند أحد من أصحاب السِّير والتواريخ ؛ فإن غزوة ذي قرد كانت في جمادى الأولى من السَّنة السادسة من الهجرة ، ثم غزا بعدها بني المصطلق في شعبان من تلك السنة ، ثم اعتمر عمرة الحديبية في ذي القعدة من تلك السنة ، ثم رجع إلى المدينة ، وأقام بها ذا الحجَّة وبعض المحرم ، وخرج في بقيةٍ منه إلى خيبر ، هكذا ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره ، ولا يكادون يختلفون في ذلك . وهذا الذي وقع في هذا الحديث وهم من بعض الرُّواة ، ويحتمل أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- أغزى سرية فيهم سلمة إلى خيبر قبل فتحها ، فأخبر سلمة عن نفسه ، وعمن خرج معه .
وقد ذكر ابن إسحاق في كتاب المغازي له : أنه -صلى الله عليه وسلم- أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين . والله أعلم . و( ذو قُرْد ) المشهور فيه بفتح القاف والرَّاء .
وقد قيل فيه بضمِّهما . والقَرَدُ في اللغة هو : الصوف الرديء . يقال في المثل : عَثَرت على الغَزْل بأَخَرَة فلم تَدْع بِنَجْدِ قَرَد .
وهو في الحديث : موضع معروف . حكى هذا كله السهيلي . وقول عمر : ( يا رسولَ الله! لولا متَّعْتَنَا به ؛ أي : هلا دعوتَ الله أن يمتعنا ببقائه .
و( يخطر بسيفه ) ؛ أي : يهزه متكبرًا ، و( شاكي السلاح ) هو الذي جَمَع عليه سلاحه . يقال : شاكي السلاح ، و( شاكِ ) بالكسر- و( شاكُ ) بالرفع ، و( شائك ) ، وهذا أصوب ، وما قبله مقلوب . والشكة ، والشوكة : السلاح .
و( مجرب ) روايتنا فيه بفتح الراء على أنه اسم مفعول ؛ يعني : أنه جربت حروبه ، وعلمت . ويصحُ أن يقال بالكسر على أنه اسم فاعل ، يعني : أنه جرَّبَ الحروبَ بنفسه ، فخبرها . وقول عامر : ( بطل مغامر ) ؛ البطلُ : الشجاع .
يقال : بطل بيِّن البطولة والبطالة . و( المغامر ) : اسم فاعل مِن غامر ؛ يعني : أنه يأتي غمرات الحروب ، ويقتحمها . وأصله من الغمر ، وهو الماءُ الكثير .
و( يسفّل ) بسيفه ؛ أي : يختِل أن يضربه ، من أسفله . وقول علي : ( أنا الذي سمتني أمي حيدرة ) ؛ حيدرة : من أسماء الأسد ، وله أسماء كثيرة . وكان علي سماه أبوه عليًّا ، وسمته أمه أسدًا باسم أبيها ، فغلب عليه ما سماه به أبوه ، فذكر الآن ما سمته به أمه لمناسبة ما بين الحرب وصوّلة الأسد .
والهاء في ( حيدره ) وفي ( المنظره ) زائدة للاستراحة . والمنظرة : المنظر . ويعني : أنه كريه المنظر في عين عدوه ؛ لأن موت عدوه مقرون بنظره إليه .
و( ليث ) من أسماء الأسد . و( الغابات ) : جمع غابة ، وهي ملتف الشجر ؛ لأنها تغيب فيها من يدخلها . و( السندرة ) : مكيال واسع .
قال القتبي : ويحتمل أن يكون أخذ من السندرة وهي شجرة يعمل منها النبل والقسيّ . قال صاحب العين : كيل السندرة : ضرب من الكيل ، ومعناه : أقتلهم قتلاً واسعًا . وقيل : السندرة : العجلة ؛ أي : أقتلهم قتلاً عجلاً عاجلاً .
وفي هذا الحديث من معجزات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربع ، ومن الفقه والأحكام ما فيه كثرة لا تخفى على فطن ، من أهمها : جواز استقتال المرء نفسه في سبيل الله إرادة الشهادة ، واقتحام الواحد على الجمع ؛ إذا كان من أهل النجدة . وجواز المبارزة بغير إذن الإمام . وهو حجَّة على من كرهها مطلقًا ، وهو الحسن ، وعلى من اشترط في جوازها إذن الإمام : وهو إسحاق ، وأحمد ، والثوري .
ثم هل يعان المبارز أم لا ؟ أجازها أحمد وإسحاق ، ومنعها الأوزاعي ، وفسر الشافعي فقال : إن شرط المبارز عدمها لم يجز ، وإن لم يشترط جاز . وظاهر هذا الحديث : أن الذي قتل مرحبًا هو علي رضي الله عنه . وقد روي : أن الذي قتله محمد بن مسلمة .
وحكى محمد بن سعد : أن الذي قتله ، محمد ، وذفَّفَ عليه علي .