باب فضل القتل في سبيل الله تعالى
117 [1349] وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: عن رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ: أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ . فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أيُكَفَّرُ الله عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَيْفَ قُلْتَ؟ .
قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ . 1886 - 120 [1350] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ . وقول السَّائل : ( أرأيت إن قتلت في سبيل ؛ أتكفر عني خطاياي ) ؛ هذا بحكم عمومه يشمل جميع الخطايا ، ما كان من حقوق الله تعالى ، وما كان من حقوق الآدميين .
فجوابه بـ ( نعم ) مطلقًا يقتضي تكفير جميع ذلك ، لكن الاستثناء الوارد بعد هذا يبيّن أن هذا الخبر ليس على عمومه ؛ وإنما يتناول حقوق الله تعالى خاصَّة لقوله -صلى الله عليه وسلم- : ( إلا الدَّين ) . وذكره الدَّين تنبيه على ما في معناه من تعلق حقوق الغير بالذمم ، كالغصب ، وأخذ المال بالباطل ، وقتل العمد ، وجراحه ، وغير ذلك من التبعات ، فإن كل هذا أولى بأن لا يغفر بالجهاد من الدَّين ، لكن هذا كله إذا امتنع من أداء الحقوق مع تمكنه منه ، وأما إذا لم يجد للخروج من ذلك سبيلاً ؛ فالمرجو من كرم الله تعالى إذا صدق في قصده ، وصحت توبته أن يُرضي الله تعالى خصومه عنه ، كما قد جاء نصًّا في حديث أبي سعيد الخدري المشهور في هذا ، وقد دلَّ على صحة ما ذكرناه قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ) ، الحديث ، وسيأتي إن شاء الله تعالى . ولا يلتفت إلى قول من قال : إن هذا الذي ذكره من الدَّين إنما كان قبل قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( من ترك دينًا أو ضياعًا فعليَّ ) ، الحديث ؛ يشير بذلك إلى أن ذلك المعنى منسوخ .
فإنه قول باطل مفسوخ ؛ فإن المقصود من هذا الحديث بيان أحكام الديون في الدنيا ، وذلك : أنه كان من أحكامها دوام المطالبة ، وإن كان الإعسار . وقال بعض الرواة : إن الحر كان يباع في الدين . وامتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الصلاة على من مات وعليه دينار ولم يجد وفاءً له .
فهذه الأحكام وأشباهها هي التي يمكن أن تنسخ ، والحديث الأول لم يتعرض لهذه الأحكام ؛ وإنما تعرض لمغفرة الذنوب فقط . هذا إذا قلنا : إن هذا ناسخ . فأما إذا حققنا النظر فيه فلا يكون ناسخًا ، وإنما غايته : أن تحمل النبي -صلى الله عليه وسلم- على مقتضى كرم خلقه عن المعسر دينه ، وسدّ ضيعة الضائع .
وقد دل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث بعينه : ( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) ؛ فعلى هذا يكون هذا التحمل خصوصًا به ، أو من جملة تبرعاته لما وسّع الله عليه ، وعلى المسلمين . وقد قيل في معنى هذا الحديث : إن معنى ذلك : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قام بذلك من مال الخمس والفيء ليبين : أن للغارمين ولأهل الحاجة حقًّا في بيت مال المسلمين ، وإن الناظر لهم يجب عليه القيام بذلك لهم ، والله تعالى أعلم . وفيه من الفقه : جواز تأخير الاستثناء قدرًا قليلاً ؛ لأنه أطلق أولاً ، فلما ولى دعاه ، فذكر له الاستثناء ، وقد يجاب عنه : بأنه لما أراد أن يستثني أعاد اللفظ الأوّل ، ووصل الاستثناء به في الحال ، فلا يجوز التأخير ، ويدل على ذلك : أن الاستثناء والتخصيص وغيرهما الصادرة عنه -صلى الله عليه وسلم- كلٌّ من عند الله ، لا من عند النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاجتهاد ، وقد تقدَّم الاختلاف في هذا الأصل .