باب فضل الإمام المقسط وإثم القاسط
( 1841 ) [1408] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌه ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ . وقوله " إنما الإمام جُنَّة " ، الْمَجَنُّ والْجُنَّةُ والْجَانُّ والْجَنَّةُ والْجِنَّةُ - كله راجع إلى معنى السِّتر والتَّوَقِّي ؛ يعني أنه يُتَّقى بنظره ورأيه في الأمور ج٤ / ص٢٦العظام والوقائع الخطيرة ولا يُتَقدّم على رأيه ، ولا يُنفرد دونه بأمر مهم حتى يكون هو الذي يشرع في ذلك . وقوله " يُقاتل من ورائه " ؛ أي أمامه ، ووراء من الأضداد ، يقال بمعنى خلف وبمعنى أمام ، وعلى هذا حمل أكثر المفسرين قوله تعالى : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ ؛ أي : أمامهم - وأنشدوا قول الشاعر :
ويكفي دليلاً في هذا المعنى تغبية رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم بدر وغيره ، فإنه صلى الله عليه وسلم كان في العريش في القلب والمقاتِلة أمامه . وقد تضمن هذا اللفظ - على إيجازه - أمرين ؛ أحدهما : أن الإمام يُقتدى برأيه ويُقاتل بين يديه ، فهما خبران عن أمرين متغايرين ، وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث ، على أن ظاهره أنه يكون أمام الناس في القتال وغيره ، وليس الأمر كذلك ، بل كما بينَّاه ، والله تعالى أعلم . وقوله " فإن أمر بتقوى الله وعدل كان له بذلك أجر " ؛ أي أجر عظيم ، فَسَكَتَ عن الصفة للعلم بها ، وقد دلّ على ذلك ما تقدَّم من قوله صلى الله عليه وسلم " إن المقسطين على منابر من نور " ، وقوله في السبعة الذين يظلهم الله في ظله " وإمام عادل " .
ج٤ / ص٢٧وقوله " وإن يأمر بغيره كان عليه منه " ؛ أي : إنْ أمر بجور كان عليه الحظ الأكبر من إثم الجور . و " من " هنا للتبعيض ؛ أي لا يختص هو بالإثم ، بل الْمُنَفِّذ لذلك الْجَوْر يكون عليه أيضًا حظه من الإثم والراضي به ، فالكل يشتركون في إثم الْجَوْر ، غير أن الإمام أعظمهم حظًّا منه لأنه مُمْضِيه وَحَامِلٌ عليه .