حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل

‎ ) كتاب النكاح ( 1 ) باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل ( 1400 ) [1447] عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ فَقَامَ سعد يتحَدّث ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً - وفي رواية بكرا مكان شابة - لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَئِنْ قُلْت ذَاكَ ، لَقَدْ قَالَ لَنَا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ . ( 15 ) كتاب النكاح حقيقة النكاح : الوطءُ ، وأصله : الإيلاج . وهو : الإدخال .

وقد اشتهر إطلاقه على العقد ؛ كما قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ؛ أي : إذا عقدتم عليهن . وقد يُطلق النكاح ويُراد به العقد والوطء ؛ كما قال تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ؛ أي : لا تعقدوا عليهن ، ولا تطؤوهن . ( 1 ) باب الترغيب في النكاح ( قوله : ألا نزوجك جاريةً شابةً ؟ ) ( ألا ) : عرض وتحضيض .

و( الجارية ) هنا : المعصر وما قارب ذلك . والبِكْرُ : الذي لم يتزوج من الرِّجال والنِّساء ؛ يقال : رجلٌ بِكْرٌ ، وامرأةٌ بِكْرٌ - بكسر الباء- والبكر أيضًا : أوّلُ الأولاد - بالكسر - ؛ كما قال الشاعر : يا بِكْرَ بِكْرَيْنِ ويَا خِلْبَ الكَبِدِ أصبحتَ مِنِّي كذِراعٍ مِنْ عَضُد وفي مقابلة البكر : الأيِّم ، وسيأتي ذِكْرُها إن شاء الله تعالى . و( قوله : لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك ) أي : زمان نشاطك وغُلْمتك .

فقد قال في الرواية الأخرى : ( لعلها ترجع إليك ما كنت تعهد من نفسك ) وكان عبد الله قد قلت رغبته في النساء ؛ إما للاشتغال بالعبادة ، وإمّا للسِّنِّ ، وإما لمجموعهما ، فحرّكه عثمان بذلك . و( الباءة )- بفتح الباء ، والمد - : النِّكَاح . وأصله : الْمَنْزِل ؛ يقال : باءةٌ ، ومباءة ، ومبوَّأ .

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في المدينة حين أطلَّ عليها : ( هذه المبوَّأ ) أي : المنزل . ثم قيل للتزويج : باه ؛ لأن من تزوَّج امرأة بوَّأها منزلاً . قال الأصمعي : وفيه لغتان : باهٌ ، وباءٌ .

قال : هو الغشيان . وإن شئتَ جمعتَ بالتاء ، فقلتَ : باءات . قال غيره : فيه أربع لغات ، وزاد : باهة ، فأبدل من الهمزة هاءً ، وباها - بالقصر والهاء - .

و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( من استطاع ) أي : مَنْ وَجَدَ ما به يتزوج . و( من لم يستطع ) أي : من لم يجد ذلك . ولا يُراد به هنا : القدرة على الوطءِ ؛ لقوله : ( فعليه بالصوم ، فإنه له وِجَاء ) .

و( قوله : فليتزوج ) أمرٌ ، وظاهره : الوجوب . وبه قال داود ومَنْ تابعه . والواجب عندهم العَقْدُ لا الدخول ، فإنه إنما يجب عندهم مرة في العمر .

والجمهور : على أن التزويج مندوب إليه ، مُرَغَّبٌ فيه على الجملة . وقد اعتبره بعض علمائنا بالنظر إلى أحوال النَّاس ، وقسَّمه بأقسام الأحكام الخمسة . وذلك واضحٌ .

وصرف الجمهورُ ذلك الأمرَ عن ظاهره لشيئين : أحدهما : أن الله تعالى قد خيَّر بين التزويج والتَّسَرِّي بقوله تعالى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ثم قال : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، والتَّسرِّي ليس بواجب إجماعًا ، فالنكاح لا يكون واجبا ؛ لأن التخيير بين واجب وبين ما ليس بواجب يرفع وجوب الواجب . وبَسْطُ هذا في الأصول . وثانيهما : قوله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٥ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ولا يقال في الواجب : إنه غير ملوم .

ثم هذا الحديث لا حجة لهم فيه لوجهين : أحدهما : أن نقول بموجبه في حق الشابّ المستطيع الذي يَخافُ الضررَ على نفسه ودينه من العُزْبة ، بحيث لا يرتفع عنه إلاَّ بالتزويج ، وهذا لا يُختلف في وجوب التزويج عليه . والثاني : أنهم قالوا : إنّما يجب العقد لا الوطء . وظاهرُ الحديث : إنّما هو الوطء ، فإنّه لا يحصل شيءٌ من الفوائد التي أرشد إليها في ذلك الحديث ؛ من تحصين الفرج ، وغَضِّ البصر بالعقد .

بل : إنّما يحصل كلُّ ذلك بالوطء ، وهو الذي يحصل دفع الشَّبق إليه بالصوم . فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث . وما تناوله الحديثُ لم يذهبوا إليه .

وذلك دليل على سوء فهمهم ، وقلة فطنتهم . ولا حجة لهم في قوله تعالى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ الآية ؛ لأنَّه أمرٌ قُصِدَ به بيانُ ما يجوز الجمع بينه من أعداد النساء ، لا أنَّه قصد به حكم أصل القاعدة . ولا حجة لهم في قوله تعالى : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ؛ فإنَّه أمرٌ للأولياء بالإنكاح ، لا للأزواج بالنِّكاح .

وأغض : أسدُّ . وأحصن : أمنع . و( قوله : فعليه بالصوم ) قال الإمام أبو عبد الله : فيه إغراءٌ بالغائب ، ومن أصول النحويين ألا يُغرى بغائبٍ ، وقد جاء شاذًّا قول بعضهم : عليه رجلاً ليسني ؛ على جهة الإغراء .

قال القاضي أبو الفضل عياض : هذا الكلام لأبي محمد بن قتيبة والزَّجَّاجي وبعضهم ، ولكن على قائله أغاليط ثلاثة : أولها : قوله : لا يجوز الإغراء بالغائب ، وصوابه : لا يجوز إغراء الغائب ، أو لا يُغْرَى غائبٌ . فأمَّا الإغراء بالشاهد والغائب فجائزٌ . وهكذا نصَّ أبو عبيد في هذا الحديث ، وكذلك كلام سيبويه ومَنْ بعده من أئمة هذا الشأن قالوا : وإنَّما يؤمر بمثل هذا الحاضر ، والمخَاطَب ، ولا يجوز : دونه زيدًا ، ولا : عليه زيدًا - وأنت تريد غير المخاطب - ؛ لأنه ليس بفعل له ، ولا تصرّف تصرّفه .

وإنما جاز للحاضر ؛ لما فيه من معنى الفعل ، ودلالة الحال . فأمَّا الغائب فلا يوجد ذلك فيه ؛ لعدم حضوره ، وعدم معرفته بالحالة الدالة على المراد . وثانيها : عدُّ قولهم : عليه رجلاً ليس من إغراء الغائب .

وقد جعله سيبويه والسّيرافي منه . ورأوه شاذًّا . قال القاضي : والذي عندي : أنه ليس المراد بها حقيقة الإغراء ، وإن كانت صورته ، فلم يُرِدْ هذا القائلُ تبليغ هذا الغائب ، ولا أمره بإلزام غيره ، وإنما أراد الإخبار عن نفسه بعدم مبالاته بالغائب ، وأنَّه غير متأتٍّ له منه ما يريد ، فجاء بهذه الصورة يَدَلُّ على ذلك .

ونحوه قولهم : إليك عنّي ؛ أي : اجعل شغلك بنفسك عنِّي ، ولم يُرِدْ أن يغريه به ، وإنّما مرادُه : دَعْني ، وكن كمن شُغِلَ عَنِّي . وثالثها : عدُّهم هذه اللفظة في الحديث ؛ من إغراء الغائب . قال القاضي : والصَّواب : أنه ليس في هذا الحديث إغراء الغائب جملة .

والكلام كلُّه والخطابُ للحضور الذين خاطبهم صلى الله عليه وسلم بقوله : ( من استطاع منكم الباءة ) فالهاء هنا ليست للغائب ، وإنّما هي لمن خصَّ من الحاضرين بعدم الاستطاعة ؛ إذ لا يصح خطابُه بكاف الخطاب ؛ لأنه لم يتعيّن منهم ، ولإبهامه بلفظة ( من ) وإن كان حاضرًا . وهذا النحو كثيرٌ في القرآن ؛ كقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ إلى قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ وكقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ إلى قوله : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وكقوله : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ، فهذه الهاءاتُ كلّها ضمائرُ للحاضر لا للغائب ، ومثله : لو قلتَ لرجلين : من قام الآن منكما فله درهم . فهذه الهاء لمن قام من الحاضرين .

قلت : اختصرتُ كلام القاضي في هذا الفصل من غير تبديل ، ولا زيادة ، وهو حسن جيّدٌ ، فلذلك نقلته بلفظه . و( قوله : فإنه له وِجَاء ) - بكسر الواو ، والمد - وهو : عض الأنثيين ، أو رضهما بحجر ونحوه . وأصله : الغمز ، والطّعن .

ومنه : وَجَأَ في عُنُقِه ، وَوَجَأَ بَطْنَهُ بالخنجر . وقال بعضهم : الوَجْءُ : أن توجأ العروق والخصيتان باقيتان بحالهما . والخصاء : شق الخصيتين ، واستئصالهما .

والْجب : أن تحمى الشفرة ، ثم تستأصل بها الخصيتان . وقد قاله بعضهم : ( وجا ) بفتح الواو ، والقصر . وليس بشيء ؛ لأن ذلك هو : الحفا في ذوات الْخُفِّ ، قاله الخطابي .

وفيه دليل : على جواز المعاناة لقطع الباه بالأدوية . وعلى أن مقصود النكاح : الوطء . وعلى وجوب الخيار في العنّة .

و( المعشر ) : الجماعة من الناس .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث