حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب الترغيب في النكاح وكراهية التبتل

( 1401 ) [1448] وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي . و( قوله : أن نفرًا ) النفر : الجماعة من الناس ، وأقلهم ثلاثة وهم كذلك ج٤ / ص٨٦هنا . وقد ذكر البخاري حديث أنس هذا على سياق أحسن من هذا وأتم ، فقال : جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته ، فلمّا أخبروا كأنهم تقالوها .

فقالوا : أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ، قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر . قال أحدهم : أمَّا أنا فأصلي الليل أبدًا ، وقال الآخر : أمَّا أنا فأصوم الدَّهْرَ ولا أفطر . وقال الآخر : وأنا أعتزلُ النساء ، فلا أتزوّج أبدًا .

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أنتم القائلون كذا ؟ أَمَا والله إني لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، لكنِّي أصوم وأُفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مني ) . قلت : فهؤلاء القوم حَصَلَ عندهم أنَّ الانقطاعَ عن ملاذِّ الدُّنيا من النساء والطَّيِّب من الطَّعام والنوم ، والتَّفرغ لاستغراق الأزمان بالعبادات أولى ، فلما سألوا عن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبادته ، لم يدركوا من عبادته ما وقع لهم أبْدَوْا فارقًا بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم : بأنَّه مغفورٌ له . ثمَّ أخبر كلّ واحد منهم بما عَزَمَ على فعله ، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أجابهم بأن ألغى الفارق بقوله : ( إني أخشاكم لله ) وتَقْرِيرُ ذلك : إني وإن كنت مغفورًا لي فخشية الله وخوفه يحملني على الاجتهاد وملازمة العبادة ، لكن طريق العبادة ما أنا عليه ، فمن رغب عنه وتركه ؛ فليس على طريقي في العبادة .

قلت : ويوضح هذا المعنى ويُبيِّنَه : أنَّ عبادة الله إنَّما هي امتثالُ أوامره الواجبة والمندوبة ، واجتناب نواهيه المحظورة والمكروهة ، وما من زمان من الأزمان إلا وتتوجَّهُ على المكلَّف فيه أوامر أو نواهٍ ، فمن قام بوظيفة كل وقت فقد أدَّى العبادة ، وقام بها . فإذا قام بالليل مصلِّيًا : فقد قام بوظيفة ذلك الوقت . فإذا احتاج إلى النوم لدفْع ألم السّهر ، ولتقوية النفس على العبادة ، ولإزالة تشويش ج٤ / ص٨٧مدافعة النوم المشوَّشة للقراءة ، أو لإعطاء الزوجة حقَّها من المضاجعة : كان نومُه ذلك عبادةً كصلاتِه ، وقد بيّن هذا المعنى سلمان الفارسي لأبي الدرداء بقوله : لكنِّي أقوم وأنام ، وأحتسب في نومتي ما أحتسبه في قَوْمتي .

وكذلك القول في الصيام . وأمَّا التزويج فيجري فيه مثل ذلك وزيادة نيَّة تحصين الفرج ، والعين ، وسلامة الدين ، وتكثير نسل المسلمين . وبهذه القصود الصحيحة تتحقق فيه العبادات العظيمة .

ولذلك اختلف العلماء في : أيَّ الأمرين أفضل ؟ التزويج أم التفرُّغ منه للعبادة ؟ كما هو معروف في مسائل الخلاف . وعلى الجملة : فما من شيء من المباحات المستلذات وغيرها ، إلا ويُمكن لمن شرح الله صدره أن يصرفه إلى باب العبادات والطاعات بإخطار معانيها بباله ، وقصد نية التقرّب بها ، كما قد نصَّ عليه المشايخ في كتبهم ، كالحارث المحاسبي وغيره . ومَنْ فَهِمَ هذا المعنى وحصَّلَهُ تحقَّق : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد حَل َّ من العبادات أعلاها ؛ لانشراح صدره ، وحضور قصده ، ولعلمه بحدود الله ، وبما يُقرّب منه ، ولما لم ينكشف هذا المعنى للنّفر السائلين عن عبادته استقلوها بناءً منهم على أن العبادة إنما هي استفراغ الوسع في الصلاة ، والصوم ، والانقطاع عن الملاذّ .

وهيهات بينهما ما بين الثريَّا والثَّرى ، وسُهيل والسُّها . وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقق أنَّ فيه ردًّا على غلاة المتزهدين ، وعلى أهل البطالة من المتصوفين ؛ إذ كُلُّ فريقٍ منهم قد عَدَلَ عن طريقه ، وحاد عن تحقيقه . و( قوله : وقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على فراشٍ ) قال البخاري بدل هذا الكلام : أما أنا فأصوم ولا أفطر .

وهذا المساق أحسن ؛ ج٤ / ص٨٨لأنه صلى الله عليه وسلم أجابهم في الروايتين بقوله : ( لكني أصوم وأفطر ) ولم يرو فيه مسلم جوابًا عن الأكل والنَّوم على الفراش بأكثر من قوله : ( لكنِّي أصوم وأفطر ) فبقي أكل اللحم ، والنوم على الفراش بغير جواب ، فكان مساق البخاري أولى ، والله تعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث