حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب إيلاء الرَّجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة

) باب إيلاء الرَّجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة ( 1479 ) ( 30 و31 و34 و35 ) [1549] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ ، فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ فَتَبَرَّزَ ، ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا قَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا بْنَ عَبَّاسٍ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : كَرِهَ وَاللَّهِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَكْتُمْهُ . قَالَ: هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ ، ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ .

قَالَ: كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ نساءنا ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ . فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ . قَالَ: وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَوَالِي ، فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي ، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي .

فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ ، فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ . فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ . فقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ ، وَخَسِرَ أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ ؟ لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكِ ( يُرِيدُ عَائِشَةَ ) قَالَ: وَكَانَ لِي جَارٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا ، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَكُنَّا نَحَدَّثُ : أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا ، فَنَزَلَ صَاحِبِي ثُمَّ أَتَانِي فَضَرَبَ بَابِي ، ثُمَّ نَادَانِي فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ قُلْتُ: مَاذَا ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا .

بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ ؛ طَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ . فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ - وقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أن هَذَا كَائِن - حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي ، ثُمَّ نَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي . فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي هَا هُوَ ذَا يعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ فَأَتَيْتُ غُلَامًا أَسْوَدَ .

وفي رواية : فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى فَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَنْحَدِرُ . فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لعمر فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ فَجَلَسْتُ قَلِيلًا ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ . ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلَامَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي فَقَالَ: ادْخُلْ فَقَدْ أَذِنَ لَكَ .

فَدَخَلْتُ ، فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ . فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: لَا . فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ لَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا ، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ .

فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ ، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكِ ، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى ، فَقُلْتُ: آَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَجَلَسْتُ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي الْبَيْتِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلَّا أُهَبًا ثَلَاثَةً . فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ، فَاسْتَوَى جَالِسًا ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتهم الدُّنْيَا .

وفي رواية : فقال : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُم الدُّنْيَا ، وَلَنَا الْآخِرَةُ . ولم يذكر : أولئك قوم . فقلت : اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَانَ أَقْسَمَ أَلَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ .

قالت عَائِشَةَ : لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً ، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِي . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا ، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا ، فَلَا عَلَيْكِ أَلَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ . ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ حَتَّى بَلَغَ أَجْرًا عَظِيمًا قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ .

قَالَتْ : فَقُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ . قَالَتْ عَائِشَةَ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا ، وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّتًا . قَالَ قَتَادَةُ: صَغَتْ قُلُوبُكُمَا : مَالَتْ .

( 6 ) ومن باب : إيلاء الرَّجل من نسائه الإيلاء في اللغة هو : الحلف . يقال : آلى ، يُؤلي إيلاءً ؛ أي : حلف . ويقال : تألَّى ، تألِّيًا .

و: ائتلى ، يأتلي ، ائتلاءً . وهو في الشرع : الحلف على الامتناع من وطء الزوجة بيمين يلزم بها حكم أكثر من أربعة أشهرٍ بمدَّة مؤثِّرة . وتفصيلُ ذلك في كتب الفقه .

و( قول عمر : واعجبا لك يا بن عباس ! ) فهم الزهري من هذا التعجب الإنكار لما سأله عنه ، وفيه بُعْدٌ . ويمكن أن يقال : إنَّ تعجبه إنما كان لأنه استبعد أن يخفى مثل هذا على مثل ابن عباس مع مداخلته لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وشُهرة هذه القصة ، وشدّة حرصه هو على سماع الأحاديث ، وكثرة حفظه ، وغزارة علمه ، ولما كان في نفس عمر من ابن عباس ، فإنه كان يُعظِّمه ، ويقدِّمُهُ على كثير من مشايخ الصحابة ، كما اتفق له معه ؛ إذ سأله عن قوله تعالى : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ والقصة مشهورة . و( قوله : فلا يغرَّنك أن كانت جارتُكِ هي أوسمُ وأحب ) أراد بالجارة : الضَّرَّة ، وكنَّى بها عنها مراعاةً للأدب ، واجتنابًا للفظِ الضرر أن يُضاف لمثل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن ، ويعني بذلك عائشة رضي الله عنها ، والله تعالى أعلم .

و( أوسم ) : أجمل ، والوسيم : الجميل ، فكأنًّ الْحُسْنَ وَسَمَه ؛ أي : علَّمه بعلامة يُعرف بها . و( المشربة ) : الغرفة . يقال بضم الراء وفتحها ، لغتان .

و( أُسكُفة المشربة )- بضم الهمزة والكاف : عتبة الباب السفلى . و( الفقير )- بتقديم الفاء - فسَّره في الحديث بجذع يُرقى عليه ، وهو الذي جُعِلَت فيه فِقَرٌ كالدرج يُصْعَدُ عليها . أُخذ من فقار الظهر .

وفي الأم : ( يرتقي إليها بعجلة ) . كذا صحيح الرواية . و( العجلة ) : درج من النخل ، قاله القتبي .

وفي الأم : قالت عائشة لعمر : ما لي ولك يا بن الخطاب ! عليك بعيبتك ؛ أي : بخاصتك ، وموضع سرِّك ؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( الأنصار كرشي ، وعيبتي ) . قال ابن الأنباري : معنى كرشي : أصحابي ، وجماعتي الذين أعتمدهم . وأصل الكرش في اللغة : الجماعة .

وقال غيره : ومعنى عيبتي : خاصتي ، وموضع سرِّي . وأصل العيبة : الوعاء الذي يُجعل فيه الشيء النفيس الرفيع . وتعني بذلك : ابنته حفصة .

و( رباح ) هذا هو بباء بواحدة من تحتها . و( رمل الحصير ) : نَسْجُه . وقال ابن القوطية : رملت الحصير رملاً ، وأرملتُه : نَسَجْتُهُ .

و( متكئ ) : قال القاضي عياض : أي متمكِّنًا في قعوده كالمتربِّع ونحوه . قلت : وهذه غفلة منه عن قوله : قد أثر في جنبه . والذي ينبغي أن يقال : إن الاتكاء هو : التمكُّن ، والتثبُّت .

فيكون ميلاً على جنب ، ويكون ترَبُّعًا ؛ إذ كل واحدٍ منهما متمكِّنٌ ومتثبِّتٌ . ويعني به هاهنا : التمكّن على أحد جنبيه على كل حال . و( قوله : طفق ) معناه : جعل وأخذ ، و( تَغَضَّبْتُ ) : استعملتُ الغضب ؛ أي : أسبابه .

و( تبسَّم ) أي : بدأ يضحك . وفي الأم : ( كشر ) في رواية . قال ابن السكيت : كَشَرَ ، وتبسَّم ، وابتسم ، وافترَّ كلها بمعنى واحد .

فإن زاد قيل : قهقه ، وزمدق ، وكركر . فإن أفرط ؛ قيل : استغرب ضحكًا . وقال صاحب الأفعال : كَشَرَ : أبدى أسنانه تبسُّمًا ، أو غضبًا .

و( قوله : فقلت : آستأنس يا رسول الله ؟ قال : نعم ) هو على الاستفهام ، فيكون بهمزتين : همزة الاستفهام دخلت على همزة المتكلم . فإن شئت حققتهما ، وإن شئت حققت الأولى وسَهَّلت الثانية ، ومعناه : آنبسط في الحديث انبساط المتأنس ؟ الذي لا يخاف عتبًا ، ولا لومًا . استأذنه في ذلك .

ومنه قوله تعالى : وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ و( الأهب ) : جمع إهاب . وهو : الجلد غير مدبوغ . ويقال له أيضًا : أَفِيقٌ .

فإذا جعل في الدِّباغ سُمِّي : منيئة . فإذا دبغ ، فهو : أديم . ورُوي : ( أُهُبٌ ) - بضم الهاء - : جمع إهاب ؛ كحمار ، وحُمُر .

ويروى بفتح الهاء والهمزة ، كأنَّه جمع : أَهَبَة وأهب ؛ كثمرة وثمر ، وشجرة وشجر . و( قوله : حين استوى جالسًا : ( أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ ! ) إنكار منه على عمر لما وقع له من الالتفات إلى الدنيا ، ومدِّ عينيه إليها . وقد بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجواب والردع بقوله : ( أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم ) وبقوله : ( أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ ) .

وفيه حجة على تفضيل الفقر . و( قوله : وكان أقسم : ألا يدخل عليهن شهرًا من أجل موجدته عليهن ) هذا يدلُّ : على أن الْمُؤلِي لا يُلْزم إيقافه إذا حلف على أقل من أربعة أشهر ، كما قال الله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فإن حلف على زيادة عليها لزم إيقافه ، فإما حنَّثَ نَفْسَهُ ووطِئ ، وإما طلق ؛ هذا مذهب جمهور الصحابة ، والتابعين وأئمة الفتيا . ولم يعتبر مالك الزيادة القليلة مثل الأيام اليسيرة ، ورأى : أن لها حكم الأربعة الأشهر .

واعتبرها غيره ؛ لأنها زيادة على ما حدَّده الله تعالى . ولو اقتصر عندهم على الأربعة الأشهر لم يكن موليًا . وذهب الكوفيون : إلى أنه مول .

وشذ ابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، والحسن في آخرين معهم فقالوا : إن حلف على ألا يجامعها يومًا ، أو أقل ، ثم تركها حتى مضت أربعة أشهر فهو مول . وروي عن ابن عمر عكس هذا : أن كل من وقَّت ليمينه وقتًا ، وضرب مدَّةً - وإن طالت - فليس بمولٍ ، وإنما المولي من حلف على الأبد . وسبب خلافهم اختلافُهم في فهم الآية .

وحجة الجمهور منها واضحة . ولا خلاف بينهم أنَّه لا يقع عليه طلاق قبل الأربعة الأشهر ، وأنه لو أحنث نفسه قبل تمامها سقط الإيلاء عنه . ثم اختلفوا : هل بانقضاء الأربعة الأشهر يقع الطلاق ؟ وهو قول الكوفيين ، ويقدرون الآية ؛ فإن فاءوا فيهنَّ ، أو حتى يوقف الزوج ، فإمَّا فَاءَ ، وإمَّا طلق ، أو طلق عليه السلطان ؟ وهو قول الجماهير ، وهو ظاهر قوله تعالى : ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ولو وقع الطلاق بمضيِّ الْمُدَّة ؛ لما كان لعزمهم على الطلاق بعدها معنى .

ومشهور مذهب مالك كقول الجماهير . وحُكي عنه مثل قول الكوفيين . وقال أشهب : إن قال : أنا أفيء ، أمهل حتى تنقضي عدتها .

فإن لم يفِئ بانتْ منه ، ولا خلاف بين الجماهير : أن الطلاق فيه رجعيُّ ، غير أن مالكا يقول : رجعته موقوفة على الوطء . واختلف الكوفيون في ذلك الطلاق : هل هو بائن أو رجعيٌّ ؟ ثم ظاهر قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ؛ العموم في كل مول على أكثر من أربعة أشهر ، فسواء كان إيلاؤه على وجه الغضب ، أو الرضا ، أو لمصلحة ، أو غيرها . لكن اختلفوا في هذه المسائل .

فذهب مالك ، والأوزاعي : إلى أنَّه إذا أدَّى إلى مصلحة الولد أنَّه لا يكون مُوليًا ، ولا يوقف ، وهو قياس قولهم في شبه هذا مما لا يقصد به الضرر . فأمَّا لو قصد الضرر بحلفه : فلا يختلفون في أنَّه موجب لحكم الإيلاء ، وهو المفهوم من قوله : فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؛ فإنَّ المغفرة مشعرة بالذنب ، وذلك يكون بإضراره بها أو بقصده إلى ذلك . وروي عن عليٍّ ، وابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ : أنه إنما يكون مُوليًا إذا حلف على وجه الغضب ، وأمَّا على وجه الرِّضا : فلا .

و( قوله : إن الشهر تسع وعشرون ) ظاهره : أنَّه دخل في أول ذلك الشهر ، وأنه كان تسعًا وعشرين ، لكن قول عائشة رضي الله عنها : أعدُّهن ؛ يدلُّ على أنَّه أراد به العدد . وقد تقدَّم استيفاء هذا المعنى في الصيام .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث