باب في الإحداد على الْمَيِّت في العدة
) باب في الإحداد على الْمَيِّت في العدة ( 1486 - 1489 ) [1558] عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، أنْ زَيْنَبَ ابِنْةِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ قَالَ: قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . قَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ ، فَمَسَّتْ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . قَالَتْ زَيْنَبُ: سَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا ( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا ) ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ قَالَ حُمَيْدٌ: فقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا ، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا ، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ ، فَتَفْتَضُّ بِهِ ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً ، فَتَرْمِي بِهَا ، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ .
( 1488 ) ( 61 ) [1559] وعن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا ، فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَحْلَاسِهَا ( أَوْ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا ) حَوْلًا ، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ ، فَخَرَجَتْ أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . ( 11 ) ومن باب : الإحداد على الْمَيِّت ( الخلوق )- بفتح الخاء المنقوطة - : أنواع من الطيب تخلط بالزعفران . وهو : العبير أيضًا .
وأصل العوارض : الأسنان . وسُمِّيت الخدود : عوارض لأنها عليها ، من باب : تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب . والعارضان هاهنا هما : الخدَّان .
والإحداد : مصدر : أحدَّت المرأة على زوجها فهي مُحِدٌّ : إذا امتنعت من الزينة . ويقال : حدَّت فهي حادٌّ . وكل ما يصاغ من ( ح .
د ) كيفما تصرَّف فهو راجع إلى معنى المنع . و( قوله : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدَّ على ميت فوق ثلاث ) فاعل ( لا يحل ) المصدر الذي يمكن صياغته من ( تحد ) مع ( أن ) المرادة . فكأنَّه قال : الإحداد .
ووصْفُ المرأة بالإيمان يدلُّ على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفَّى عنها زوجها المسلم : أنها لا إحداد عليها . وبه قال أبو حنيفة ، والكوفيون ، وابن كنانة ، وابن نافع ، وأشهب من أصحابنا . وقال الشافعي وعامة أصحابنا : عليها الإحداد .
و( قوله : فوق ثلاث ) يعني به : الليالي ، ولذلك أنَّثَ العدد . ويستفاد منه : أن المرأة إذا مات حميمُها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة ، تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها ، فإن مات حميمُها في بقية يوم ، أو ليلة ألغتها ، وحسبت من الليلة القابلة المستأنفة . و( قوله : إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا ) ( أربعة ) منصوب على الظرف ، والعامل فيه ( تُحِدُّ ) و( عشرًا ) معطوف عليه .
وهذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن ، المتوفَّى عنهن أزواجهن . فيدخل فيه الحرائر ، والإماء ، والكبار ، والصغار . وهو مذهب الجمهور .
وذهب أبو حنيفة : إلى أنه لا إحداد على أمة ، ولا صغيرة . والحديث حجة عليه . ولا خلاف أعلمه : أنهما لا بدَّ لهما من العدَّة .
فبالطريق التي تلزمهما به العدَّة يلزمهما الإحداد . و( إلا على زوج ) إيجاب بعد نفي . فيقتضي حصر الإحداد على المتوفى عنها زوجها ، فلا تدخل المطلقة فيه من جهة لفظه بوجه .
فلا إحداد على مطلقة عندنا ، رجعية كانت أو بائنة واحدة ، أو أكثر . وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وربيعة ، وعطاء ، وابن المنذر . وقال قوم : إن المطلقة ثلاثًا عليها الإحداد .
وإليه ذهب أبو حنيفة ، والكوفيون ، وأبو ثور ، وأبو عبيد . وقال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة ، وقد شذَّ الحسن فقال : لا إحداد على مطلقة ، ولا متوفى عنها زوجها . وهو قول يدلّ على إبطاله نَصُّ الحديث الْمُتقدِّم .
وأمَّا من رأى أن الإحداد على المطلقة فمستنده : إلحاقها بالمتوفَّى عنها زوجها . وليس بصحيح ؛ وللحصر الذي في الحديث ، لوجود الفرق بينهما . وذلك : أن الإحداد إنما هو مبالغة في التحرز من تعرضها لأسباب النكاح في حق المتوفى عنها ، لعدم الزوج ؛ إذ ليس من جهته من يقوم مقامه في البحث عنها والتحرز بها ، بخلاف المطلق ؛ فإنه حيٌّ ، متمكِّن من البحث عن أحوالها ، فافترقا .
هذا إن قلنا : إن الإحداد معقول المعنى . فإن قلنا : إنه تعبد ؛ انقطع الإلحاق القياسي . ولو سُلِّم صحة الإلحاق القياسي ؛ لكان التمسَّك بظاهر اللفظ أولى .
وقد بينَّا : أنه يدلُّ على الحصر ، والله تعالى أعلم . وإنَّما خصَّ الله تعالى عدَّة الوفاة بأربعة أشهر وعشر ؛ لأن غالب الحمل يبين تحركه في تلك المدَّة ؛ لأن النُّطْفَة تبقى في الرَّحم أربعين ، ثم تصير علقة أربعين ، ثم مضغة أربعين ، فتلك أربعة أشهر ، ثم ينفخ فيه الروح بعد ذلك ، فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر . وهذا على ما جاء من حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ .
وأنَّثَ عشرًا ؛ لأنه أراد به مدَّة العشر . قاله المبرد . وقيل : لأنه أراد الأيام بلياليها .
وإلى هذا ذهب كافة العلماء . فقالوا : إنها عشرة أيام بعد الأربعة الأشهر . وقال الأوزاعي : إنما أنَّث العشر ؛ لأنه أراد الليالي .
فعلى قول الجمهور : تحل باليوم العاشر بآخره . وعلى قول الأوزاعي : تحل بانقضاء الليلة العاشرة . وقد احتج قوم بقوله : أربعة أشهر وعشرا : على أن ما زاد على هذا العدد إذا كانت حاملاً لم يلزم فيه الإحداد .
وقال أصحابنا : عليها الإحداد إلى أن تضع ؛ نظرًا إلى المعنى ؛ إذ كل ذلك عدَّةٍ من وفاة ، وإنما خَصَّ ذلك العدد بالذكر ؛ لأن الْحِيَّلَ من النساء أغلب ، وهنَّ الأصل ، والحمل طارئ . والله تعالى أعلم . ومنعه صلى الله عليه وسلم الكحل للمرأة التي تُخُوِّفَ على عينها يدلُّ : على التشديد في منع الْمُحدّ من الاكتحال بما فيه زينة ، أو طيب إذا وجدت منه بًّدا ، إثمدًا كان أو غيره .
وهو مذهب الجمهور . فأما إذا اضطرت إليه فاختلفوا ؛ فمنهم من قال : تجعله بالليل ، وتمسحه بالنهار . وبه قال الكوفيون ، والنخعي ، وعطاء ، والشافعي ، أخذًا بما في الموطأ من حديث أم سلمة ، من قوله : ( اجعليه بالليل ، وامسحيه بالنهار ) .
ومنهم من قال : تستعمله ليلاً ونهارًا ، بحسب ضرورتها . وبه قال سالم ، وسليمان بن يسار ، ومالك ، حكاه عنه الباجي وغيره . وتأول هؤلاء قوله في هذا الحديث : ( تخوفوا عليها ) : إن هذا الخوف لم يكن محقَّقًا ، ولو كان الضرر محقَّقًا حاصلاً بلا بدَّ لأباحه لها ؛ لأن المنع إذ ذاك كان يكون حرجًا في الدِّين ، وهو مرفوع بقاعدة الشرع .
و( قوله : إنما هي أربعة أشهر وعشر ) إنما تفيد التقليل والحصر . يتمسَّك بها من يرى : أن الإحداد لا تزيد فيه الحامل على أربعة أشهر والعشر . وقد تقدَّم .
و( قوله : قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ) هذا منه صلى الله عليه وسلم إخبار عن حالة المتوفَّى عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع . وحاصله : أنهن كنَّ يقمنَّ في بيوتهن حولاً ملازمات لحالة الشَّعث ، والبذاذة ، والتَّفل ، ووحشة المسكن ، وفي شرار الثياب ، والأحلاس ، إلى أن ينقضي الحول ، وعند ذلك تخرج ، فترمي ببعرة مُشْعِرَة بأن أمر العدَّة المذكورة - وإن كان شديدًا - قد هان عليها في حقِّ من مات عنها كرمي البعرة . وقيل : إنَّ معنى ذلك : أنها رمت بالعدَّة وراء ظهرها كما رمت بالبعرة .
فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت حولاً . وقد دلّ عليه قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ وأشهر قول المفسرين فيها ، وأحسنه : أن المتوفَّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى حولاً ، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل ، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها . ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر .
ونسخت النفقة بالربع ، أو الثمن ؛ قاله ابن عباس وقتادة ، والضحاك ، وعطاء ، وغيرهم . وفي هذه الآية مباحث كثيرة لذكرها موضع آخر . قال القاضي عياض : والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ ، وأن عدَّتها أربعة أشهر وعشر .
يعني : أنها منسوخة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا و( الحِفْشُ ) هنا : الخصّ الصغير . وهو أيضًا الدرج ، وجمعه : أحفاش . و( الأحلاس ) : الثياب الخشنة ، وأصلها للدَّواب ، وهي : المسوح التي تجعل على ظهورها .
و( قولها : ثم تؤتى بدابةٍ : حمار ، أو شاة ، أو طير ) سُمِّيت هذه كلها دواب ؛ لأنها تدبُّ ؛ أي : تمشي . وهذه تسمية لغوية أصلية . كما قال الله تعالى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا و( قوله : فتفتضُّ به ، فقل ما تفتضُّ ) الرواية الصحيحة بالفاء والضاد المعجمة .
قال القتبي : سألت الحجازي عن الافتضاض ، فذكروا : أن المعتدة كانت لا تغتسل ، ولا تمس ماءً ، ولا تقلم ظفرًا ، وتخرج بعد الحول بأقبح منظر ، ثم تفتضُّ ؛ أي : تكسر ما هي فيه من العدَّة بطائر تمسح به قبلها ، وتنبذه ، فلا يكاد يعيش . وقال مالك : تفتضُّ : تمسح به جلدها كالنُّشرة . وقال ابن وهب : تمسح بيدها عليه ، أو على ظهره .
وقيل : معناه : تمسح به ثم تفتض ؛ أي : تغتسل بالماء العذب حتى تصير كالفِضَّة . وقيل : تفتض : تُفارق ما كانت عليه . قال الأزهري : رواه الشافعي : ( فتقبص ) بالقاف ، وبالباء بواحدة ، وبالصاد المهملة .
والقبص : الأخذ بأطراف الأصابع . قال : وقرأ الحسن : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ذكره الهروي .