باب إنما الولاء لمن أعتق
) باب إنما الولاء لمن أعتق ( 1504 ) ( 8 و9 ) [1571] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنَّ أَهْلِي كَاتَبُونِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي تِسْعِ سِنِينَ كُلِّ سَنَةٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقالت : إِنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً ، وَأُعْتِقَكِ وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لِي ، فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا ، فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ ، فَأَتَتْنِي فَذَكَرَتْ ذَلِكَ قَالَتْ: فَانْتَهَرْتُهَا فَقَالَتْ: لَا هَا اللَّهِ إِذن قَالَتْ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: اشْتَرِيهَا ، وَأَعْتِقِيهَا ، وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلْتُ . قَالَتْ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ فُلَانًا وَالْوَلَاءُ لِي إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ؟! ( 2 ) ومن باب : إنما الولاء لمن أعتق حديث بريرة : حديث مشهور ، كثرت رواياته ، فاختلفت ألفاظه ، وكثرت أحكامه . وقد جمع ما فيه من الفوائد في أجزاء كتب فيه الطبري ستة أجزاء ، واستخرج غيره منه مائة فائدة .
والتطويل ثقيل . فلنقتصر على البحث عن مضمون ألفاظه ، ومشكل معانيه على ما شرطناه من الإيجاز . ( قول عائشة رضي الله عنها : دخلت علي بريرة فقالت : إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين ، كل سنة أوقية ) دليلٌ على جواز كتابة المرأة المأمون عليها أن تكسب بفرجها ، وعلى أن مشروعية الكتابة أن تكون مُنَجَّمة أو مُؤَجَّلة .
وهو مشهور المذهب . ومن الأصحاب من أجاز الكتابة الحالَّة ، وسَمَّاها قطاعةً ، وهو القياس ؛ لأن الأجل فيها إنَّما هو فسحةٌ للعبد في التكسب ، ألا ترى : أنَّه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجل المكاتب عتقه ؟! والمكاتبة : مفاعلةٌ مِمَّا لا يكون إلا بين اثنين ؛ لأنها معاقدة بين السيد وعبده . يقال : كاتب يكاتب ، كتابًا ، وكتابةً ، ومكاتبة .
كما يقال : قاتل ، قتالاً ، ومقاتلة . فقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ؛ يعني به : المكاتبة . وهي عند جمهور العلماء مستحبة ؛ لأن الله سبحانه أمر بها ، وجعلها طريقًا لتخليص الرقاب من الرِّق ، والأمر بها على جهة الندب عند الجمهور خلافًا لعطاء ، وعكرمة ، وأهل الظاهر ، تمسًّكا بأن ظاهر الأمر المطلق : الوجوب ، لكن الجمهور وإن سلموا ذلك الأصل الكلِّي ، لكنهم قالوا : لا يصحُّ حمل هذا الأمر على الوجوب لأمور : أحدها : أنَّه ظاهرٌ تُخالِفُه الأصول ، فيُتْرك لها ، وذلك : أن الإجماع منعقدٌ على أن السيد لا يجبر على بيع عبده ، وإن ضُوعف له في الثمن .
وإذا كان كذلك كان أحرى وأولى ألا يخرج عن ملكه بغير عوض . لا يقال : الكتابة طريقٌ للعتق . والشَّرع قد تشوَّف للعتق ، فخالف البيع .
فلا يقاس عليه ؛ لأنا نمنع أن يكون للشرع تشوُّف للعتق مطلقا بل في محل مخصوص . وهو : ما إذا ابتدأ عتق الشقص ، وألزمه نفسه ، فتشوّف الشرع لتكميل الباقي . ولو اعتبرنا مطلق تشوّف الشرع للعتق للزم عتق العبد إذا طلبه مجانًا ، ولا قائل به .
الثاني : أن رقبة العبد وكسبه ملك لسيده ، فإذا قال العبد لسيده : خُذْ كسبي وأعتقني . كان بمنزلة قوله : أعتقني بلا شيء ، وذلك غير لازم . فالكتابة غير لازمة .
( بريرة ) بفتح الباء بواحدة من تحتها ، وكسر الراء المهملة ، على وزن فعيلة ، من البِرِّ . ويحتمل أن تكون بمعنى : مفعولة ؛ أي : مبرورة ، كأكيلة السبع ؛ أي : مأكولة . ويحتمل أن تكون بمعنى : فاعلة ؛ كرحيمة بمعنى : راحمة .
وظاهر قولها : ( إن أهلي كاتبوني على تسع أواق ) : أن الكتابة قد كانت انعقدت ، وصحَّت . وأن ذلك ليس بمراوضة على الكتابة . وعند هذا يكون مع ما وقع من شراء عائشة لها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا في جواز فسخ الكتابة ، وبيع المكاتب للعتق ، كما قد صار إليه طائفة من أهل العلم .
وأما من لم يجز ذلك ، وهم الجمهور ، فأشكل عليهم الحديث ، وتحزّبوا في تأويله ؛ فمنهم من قال : إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت ، وإن قولها : ( كاتبت أهلي ) معناه : أنها راوضتهم عليها . وقدروا مبلغها وأجلها ، ولم يعقدوها . وقد بيَّنَّا : أن الظاهر خلافه .
بل إذا تُؤمِّل مساقُ الحديث مع قولها : ( فأعينيني ) وجواب عائشة ؛ قطع بأنها قد كانت عقدتها ، وأن هذا التأويل فاسد . ومنهم من قال : إن المبيع الكتابة ، لا الرقبة . وهذا فاسدٌ ؛ لأن من أجاز بيع الكتابة لم يجعل بيع الولاء لمشتري الكتابة ، بل لعاقدها .
وأشبه ما قيل في ذلك : أن بريرة عجزت عن الأداء ، فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة . وحينئذ صحَّ البيع ، إلا أن هذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق السيد والعبد عليه ؛ لأن الحق لا يعدوهما ، وهو المذهب المعروف . وقال سحنون : لا بدَّ من السلطان .
وهذا : إنما خاف أن يتواطآ على ترك حق الله تعالى . وهذه التهمة فيها بَعُدَ ، فلا يلتفت إليها . ويدلُّ على أنها عجزت : ما وقع في الأصل من رواية ابن شهاب ، حيث قال : إن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا ، فقالت لها عائشة : ارجعي إلى أهلك ؛ فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك فعلت .
فظاهر هذا : أن جميع كتابتها أو بعضها استحقت عليها ؛ لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به ، والله أعلم . الولاء : نسبةٌ ثابتةٌ بين المعتِق والمعتَق ، تشبه النسب ، وليس منه . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( الولاء لحمة كلحمة النسب ) .
ووجه ذلك ما قد نبهنا عليه فيما تقدَّم . ولبابه : أن العبد في حكم المفقود لنفسه ، والْمُعْتِق يُصَيِّره موجودًا لنفسه ، فأشبه حال الولد مع الوالد . ولهذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه ، فيعتقه ) .
فإذا ثبتت هذه النسبة ترتب عليها من الأحكام الشرعية ما يترتب على النَّسب ، لكنه متأخر عنه ، فمهما وُجد نسب كان هو المتقدِّم على الولاء . ثم إن الأحكام لا تثبت بينهما من الطرفين ، بل من طرف المعتق ؛ لأنه المنعم بالعتق ، والْمُعتَق مُنْعَم عليه ، فلا جرم : يَرِثُ المعتِق المعتَق ، ولا ينعكس اتفاقًا فيما أعلم . وعلى هذا : فيلي المعتق على بنات مُعْتَقِه ، ولا ينعكس في المشهور الصحيح .
وقيل : ينعكس . و( قولها : إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين ) هكذا صحَّ في رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة . وقد ذكر البخاري تعليقًا من حديث يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة : قالت عائشة : ( إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها ، وعليها خمس أواق نُجِّمت عليها في خمس سنين ) .
وظاهره تعارض ، غير أن حديث هشام أولى ؛ لاتصاله وانقطاع حديث يونس ؛ ولأن هشامًا أثبت في حديث أبيه وجدَّته من غيره . ويحتمل أن تكون هذه الخمس الأواقي هي التي استُحِقَّت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام . وقد بيَّنَّا فيما تقدَّم مقدار الأوقية .
و( قول عائشة لبريرة في حديث هشام : إن شاء أهلك أن أَعُدَّها لهم عَدَّةً واحدةَ ، وأُعْتِقَك ، ويكون ولاؤكِ لِي فَعَلْتُ ) . وفي حديث يونس عن ابن شهاب : أنها قالت لها : ( أرأيت إن عددت لهم عدَّة واحدة ، أيبيعك أهلك فأعتِقَكِ ، ويكون ولاؤكِ لِي ) ليس بتعارض بين الروايتين ، وإنما هو نقل بالمعنى على عادتهم الأكثرية في ذلك . وفيه دليل على صحَّة ما قلناه : أنها إنما اشترتها للعتق مع إمكان أن يكون ذلك عند عجزها عن أداء ما تَعَيَّن عليها من الكتابة .
و( قول عائشة : فانتهرتها ) يعني : أنها عظم عليها أن تشتريها بمالها لتعتقها ، ثم يكون ولاؤها لمن باعها ، وأخذ ثمنها . فبأي طريق يستحق الولاء ، ولا طريق له يستحقه به ! ثم وقع بعد قول عائشة : ( فانتهرتها ) فقالت : ( لا ها الله إذًا ) . كذا لأكثر الرواة : ( فقالت ) وظاهره : أن هذا قول بريرة أجابت به عائشة لما انتهرتها مستلطفة لها ، ومُسكّنة .
فكأنها قالت : فإذا كان ذلك ، يعني : موجدة عائشة . فلا أستعينك على شيء . ويحتمل أن يكون الراوي أخبر به عن عائشة ، ويؤيده ما قد وقع في بعض النسخ : ( فقلت ) مكان ( قالت ) وعلى هذا : فيكون من قول عائشة ، ويكون معناه : أن أهل بريرة لما أبوا إلا اشتراط الولاء لهم امتنعت من الشراء والعتق ؛ لأجل الشرط ، وأقسمت على ذلك بقولها : ( لا ها الله إذًا ) .
والرواية المشهورة في هذا اللفظ : ( هاء ) بالمد والهمز ، و( إذًا ) بالهمز والتنوين ، التي هي حرف جواب . وقد قيّده العذري ، والهوزني بقصرها ، وبإسقاط الألف من ( إذًا ) فيكون : ( ذا ) . واستصوب ذلك جماعة من العلماء ، منهم : القاضي إسماعيل ، والمازري ، وغيرهما .
قالوا : وغيره خطأ . قالوا : ومعناه : ذا يميني . وصوَّب أبو زيد وغيره المدّ والقصر .
قال : و( ذا ) صلة في الكلام . وليس في كلامهم : ( لا ها الله إذًا ) . وفي البارع : قال أبو حاتم : يقال : ( لا ها الله ذا ) في القسم ، والعرب تقوله بالهمز ، والقياس تَرْكُه .
والمعنى : لا والله ، هذا ما أقسم به . فأدخل اسم الله بين ( ها ) و( ذا ) . انتهى كلامهم .
قلت : ويظهر لي : أن الرواية المشهورة صوابٌ ، وليست بخطأ . ووجه ذلك : أن هذا الكلام قسم على جواب إحداهما للأخرى على ما قررناه آنفًا . والهاء هنا : هي التي يعوَّض بها عن تاء القسم ، فإن العرب تقول : آلله لأفعلنَّ - ممدودة الهمزة ، ومقصورتها - ، ثم إنهم عوَّضوا من الهمزة ( هاء ) فقالوا : ها الله ؛ لتقارب مخرجيهما ، كما قد أبدلوها منها في قولهم : ألا يا سَنَا بَرْقٍ على قللِ الحِمَى لِهَنَّك مِنْ بَرْقٍ عليَّ كريم وقالوا : فهيَّاك والأمر فهياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره ولَمَّا كانت الهاءُ بدلاً من الهمزة ، وفيها المدُّ والقصر ، فالهاء تمدُّ وتقصر ، كما قد حكاها أبو زيد .
وتحقيقه أن الذي مدَّ مع الهاء كأنَّه نطق بهمزتين أبدل من إحداهما ألفًا استثقالاً لاجتماعهما ، كما تقول : آلله . والذي قصر كأنَّه نطق بهمزةٍ واحدةٍ ، فلم يحتج إلى المدِّ ، كما تقول : الله . وأما ( إذا ) فهي بلا شك حرف جواب ، وتعليل .
وهي مثل التي وقعت في قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر ، فقال : ( أينقص الرطب إذا يبس ؟ ) فقالوا : نعم . قال : ( فلا إذًا ) . فلو قال : فلا والله إذًا ، لكان مساويًا لهذه من كل وجهٍ ، لكنَّه لم يحتج إلى القسم ، فلم يذكره .
وقد بيَّنَّا تقدير المعنى ، ومناسبته ، واستقامته معنى ووضعًا من غير حاجة إلى ما تكلُّفه من سبقت حكاية كلامه من النحويين من التقدير البعيد المخرج للكلام عن البلاغة . وأبعدُ من هذا كلِّه وأفسد : أن جعلوا ( الهاء ) للتنبيه و( ذا ) للإشارة ، وفصلوا بينهما بالمقسم به . وهذا ليس قياسًا فيطرد ، ولا فصيحًا فيحمل عليه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مرويًا برواية ثابتة .
وما وجد للعذري من ذلك فإصلاح منه ، أو من غيره ، ممن اغترّ بما حكي عمَّن سبق ذكرهم من اللغويين . والحق أول مطلوب . والتمسُّك بالقياس المنقول أجل مصحوب .
والصحيح رواية المحدثين والله خير معين . وقول أبي زيد : ليس في كلامهم : ( لا ها الله إذًا ) شهادةٌ على نفي فلا تسمع . ثَمَّ تعارضه بنقل أبي حاتم : أنه يقال : ( لا ها الله ) وليس كل ما يقتضيه القياس نوعًا يجب وجودُ جميع أشخاصه وضعًا .
و( قولها : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اشتريها ، وأعتقيها ، واشترطي لهم الولاء ) هذه اللفظة التي هي : ( واشترطي لهم الولاء ) لفظة انفرد بها هشام . والرواة كلهم لا يذكرونها . وهي مشكلة .
ووجه إشكالها : أن ظاهره : أنه أمرها باشتراط ما لا يجوز ، ولا يصحّ ، ولا يلزم لمن لا يعلم ذلك ليتم البيع ، وذلك حَمْل على ما لا يجوز ، وغشٌّ ، وغرر لمن لا يعلم ذلك . وكل ذلك محال على النبي صلى الله عليه وسلم . ولَمَّا وقع هذا الإشكال العظيم تحزَّب العلماء في التخلص منه أحزابًا .
فمنهم من أنكر هذه الرواية عن هشام من حيث انفرد بها عن الحفاظ . وهو : يحيى بن أكثم . والجمهور على القول بصحَّة الحديث ؛ لأن هشامًا ثقة ، حافظ ، إمام .
ثم قد روى هذا الحديث الأئمة منه ، وقبلوه ، كمالك وغيره مع تَحَّرزهم ، ونقدهم ، وعلمهم بما يُقْبَلُ وبما يُرَدُّ ، وخصوصًا أمير المؤمنين بالحديث مالك بن أنس . فقد أخذه عنه ، ورواه عُمُرَه لجماهير الناس ، ولا إنكار منه ، ولا نكير عليه . فصار الحديث مُجْمَعًا على صحته .
ولَمَّا ثبت ذلك رام العلماء القابلون للحديث التخلُّص من ذلك الإشكال بإبداء تأويلاتٍ ، أقربها أربعة : الأول : أن قوله : ( واشترطي لهم ) أي : عليهم . كما قال تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ؛ أي : عليها . ومنه قوله : أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ؛ أي : عليهم .
الثاني : أن قوله : ( اشترطي ) لم يكن على جهة الإباحة ، لكن على جهة التنبيه على أن ذلك الشرط لا ينفعهم ، فوجوده وعدمه سواء . فكأنه يقول : اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم . وقد قوَّى هذا الوجه ما جاء من رواية أيمن المكي عن عائشة : ( اشتريها ودعيهم يشترطون ) .
الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان أعلم بأن اشتراط البائع الولاء باطل ، واشتهر ذلك ، بحيث لا يخفى على هؤلاء ، فلمَّا أرادوا أن يشترطوا لما علموا بطلانه أطلق صيغة الأمر مريدًا بها التهديد على مآل الحال ، كما قال تعالى : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ فكأنه يقول : اشترطي لهم ، فسيعلمون : أن ذلك لا يفيد . ويؤيِّده قوله صلى الله عليه وسلم حين خطبهم : ( ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ؟! من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، قضاء الله أحق ، وشرط الله أوثق ) . فتوبيخهم بمثل هذا القول يدلُّ على أنه كان قد تقدَّم بيانه لحكم الله تعالى بإبطاله ، إذ لو لم يتقدَّم بيان ذلك لبدأ الآن ببيان الحكم لا بتوبيخ الفاعل ، لأنه باق على البراءة الأصلية .
وهذه التأويلات الثلاث لعلمائنا . الرابع : ما قاله الطحاوي : أن الشافعي روى هذه اللفظة عن مالك عن هشام بن عروة بإسناده ، ولفظه ، وقال فيها : ( واشرطي لهم الولاء ) - بغير تاء - ، وقال : معناه : أظهري لهم حكم الولاء ؛ لأن الإشراط هو : الإظهار في كلام العرب . قال أوس بن حُجْر : فأشرط فيها نفسه وهو معلم وألقى بأسباب له وتوكلاً يعني : أظهر نفسه لما حاول أن يفعل .
قلت : وهذه الرواية مما انفرد بها الشافعي عن مالك ، والجمهور من الأئمة الحفاظ على ما تقدم من ذلك . و( قوله : من شرط شرطًا ليس في كتاب الله ، فهو باطل ) أي : ليس مشروعًا في كتاب الله لا تأصيلاً ولا تفصيلاً . ومعنى هذا : أن من الأحكام والشروط ما يوجد تفصيلها في كتاب الله تعالى ؛ كالوضوء ، وكونه شرطًا في صحة الصلاة .
ومنها : ما يوجد فيه أصله ، كالصلاة ، والزكاة ، فإنهما فيه مجملتان . ومنها : ما أصل أصله . وهو كدلالة الكتاب على أصلية السُّنة والإجماع والقياس .
فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلاً فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلاً ، كما قد بيَّناه في أصول الفقه . وعلى هذا فمعنى الحديث : أن ما كان من الشروط مما لم يدل على صحته دليلٌ شرعيٌ كان باطلاً ؛ أي : فاسدا مردّودًا . وهذا كما قاله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ ) .
وفي هذا من الفقه ما يدلُّ على أن العقود الشرعية إذا قارنها شرط فاسدٌ بطل ذلك الشرط خاصة ، وصحَّ العقد . لكن هذا إنما يكون إذا كان ذلك الشرط خارجًا عن أركان العقد ، الولاء في الكتابة ، واشتراط السَّلف في البيع . فلو كان ذلك الشرط مخلاًّ بركن من أركان العقد ، أو مقصودًا ؛ فسخ العقد والشرط .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في حديث جابر ، إن شاء الله تعالى . و( قوله : ولو كان مائة شرط ) خرج مخرج التكثير ؛ يعني : أن الشروط غير المشروعة باطلة ولو كثرت . ويفيد دليل خطابه : أن الشروط المشروعة صحيحة ، كما قد نصَّ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( المؤمنون على شروطهم ، إلا شرطًا أحل حرامًا ، أو حرَّم حلالاً ) خرَّجه الترمذي من حديث عمرو بن عوف ، وقال : حديث حسن .
و( قوله : كتاب الله أحق ، وشرط الله أوثق ) أي : حكم الله . كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر - لَمَّا قال له الخصم : اقض بيننا بكتاب الله تعالى- فقال : ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) ثم قضى على الزاني البكر بالجلد والتغريب ، وعلى الزانية بالرجم . وليس التغريب والرجم موجودين في كتاب الله تعالى .
لكن في حكم الله المسمَّى بالسُّنة ، وكذلك اختصاص الولاء بالمعتق ليس موجودًا في كتاب الله ، لكن في حكم الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مما يسمَّى سُنَّة . و( قوله : إنما الولاء لمن أعتق ) هذا حصر للولاء على من باشر العتق بنفسه من كان من رجل أو امرأة ممن يصح منه العتق ، ويستقل بتنفيذه . وقوة هذا الكلام قوة النفي والإيجاب .
فكأنه قال : لا ولاء إلا لمن أعتق . وإيَّاه عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( شرط الله أوثق ) في أصحِّ الأقوال وأحسنها . وقال الداودي : هو قوله تعالى : فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ وقال : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وقال : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وهو حجة على أبي حنيفة وأصحابه القائلين : بأن من أسلم على يديه رجل فولاؤه له .
وبه قال الليث ، وربيعة ، وعلي وإسحاق في حكمه بثبوت الولاء بالالتقاط . وعلى أبي حنيفة في حكمه بثبوت الولاء بالموالاة . ولمن قال : إن من أعتق عبده عن غيره أو عن المسلمين إن ولاءه له أعني للمعتق .
وإليه ذهب ابن نافع فيمن أعتق عن المسلمين . ويلزمه فيمن أعتق عن غيره مطلقا . وخالفه في ذلك مالك ، والجمهور ، متمسكين بأن مقصود الحديث بيان حكم من أعتق عن نفسه بدليل اتفاق المسلمين : على أن الوكيل عن العتق معتق .
ومع ذلك فالولاء للمعتق عنه إجماعًا ، فكذلك حكم من أعتق عن الغير ، وتقدره الشافعية أنه مَلَكَه ثم ناب عنه في العِتْق . وأما أصحابنا فإنهم قالوا : لا يحتاج إلى تقدير ذلك ؛ لأنه يصح العتق عن الميت ، وهو لا يملك . وفيه نظر ، فإنه إن لم يُقَدَّر الملك لزم منه هبة الولاء .
وقد النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء ، وعن هبته . وإن قُدَّر الملك لم يصح العتق عن الميت ؛ لأنه لا يملك . ويُتَخَلَّص عن هذا الإشكال ببحث طويل لا يليق بما نحن بصدده .
ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة ، لكن نذكر منها ما لها تعلُّق قريب بالحديث الذي ذكرناه ، وهي ثماني مسائل : الأولى : جواز كتابة من لا مال له ولا صنعة . فإن بريرة كانت كذلك . وإليه ذهب مالك ، والشافعي ، والثوري ، غير أن مالكا في المشهور كره كتابة الأنثى ؛ التي لا صنعة لها .
وكرهها أيضًا الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق . وروي مثله عن ابن عمر . وهذا كلُّه يدل على أن ( الخير ) في قوله تعالى : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا لم يرد به المال ، بل : الدين ، والأمانة ، والقوة على الكسب .
وقد ذهب قوم إلى أنه المال ، فمنعوا ما أجازه المتقدمون ، والحديث حجة عليهم . الثانية : إن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه شيء من الكتابة . وهو قول عامَّة العلماء ، وفقهاء الأمصار .
وحكي عن بعض السلف : إنه بنفس عقد الكتابة حرٌّ ، وهو غريم بالكتابة ، ولا يرجع إلى الرِّق أبدًا . وحكي عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ : إنه إن عجز عتق منه بقدر ما أدَّى . وحكي عن عمر ، وابن مسعود ، وشريح : إنه إذا أدَّى الثلث من كتابته ، فهو حرٌّ وغريم بالباقي .
وعن بعض السَّلف : الشَّطْر . وعن عطاء : مثله ؛ إذا أدَّى الثلاثة الأرباع . وقد روي عن ابن مسعود ، وشريح مثله ؛ إذا أدَّى قيمته .
وأضعف هذه الأقوال قول من قال : بعقد الكتابة يكون حرًّا ، وغريِمًا بالكتابة ، فإن حديث بريرة هذا يردُّه ، وكذلك كتابة سلمان ، وجويرية ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لجميعهم بالرِّق حتى ودُّوا الكتابة . وهذه الأحاديث أيضًا حجة للجمهور على أنَّ المكاتَب على حكم الرِّق ما بقي عليه شيء منها ؛ مع ما رواه النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته درهم ) . وقد روى نحوه النسائي أيضًا من حديث عطاء الخراساني ، عن عبد الله بن عمر .
والصحيح موقوف على ابن عمر . وقد رُوي مثله عن عمر ، وزيد بن ثابت ، وعائشة ، وأم سلمة . ومثل هذا لا يقوله الصحابي من رأيه ، فهو إذًا مرفوع .
وأما أقوال السلف ؛ فأشبه ما فيها قول علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ويشهد له ما خرَّجه النسائي أيضًا عن ابن عباس ، وعلي رضي الله عنهم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال : ( المكاتب يعتق منه بقدر ما أدَّى ، ويقام عليه الحد بقدر ما وَدَى ، ويرث بقدر ما عتق منه ) . وإسناده صحيح . ويعتضد بما رواه الترمذي عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان عند مكاتب إحداكن ما يؤدِّي فلتحتجب منه ) .
قال : حديث حسن صحيح . قلت : وظاهره أنَّ هذا خطاب مع زوجاته ؛ أخذًا بالاحتياط ، والورع في حقهنَّ ، كما قال لسودة : ( احتجبي منه ) . مع أنه قد حكم بأخوتها له ، وبقوله لعائشة وحفصة : ( أفعمياوان أنتما ؟! ألستما تبصرانه ؟ ) يعني : ابن أم مكتوم ، مع أنه قد قال لفاطمة بنت قيس : ( اعتدي عند ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك عنده ) .
الثالثة : حديث بريرة - على اختلاف طرقه ، وألفاظه - يتضمن : أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابة تقدَّمت ، فاختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك . فمنهم من أجازه إذا رضي المكاتب بالبيع ، ولو لم يكن عاجزا . وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البرّ .
وبه قال ابن شهاب ، وأبو الزناد ، وربيعة . غير أنهم قالوا : لأن رضاه بالبيع عجز منه . ومنهم من قال : يجوز بيعه على أن يمضي في كتابته ؛ فإن أدَّى عتق ، وكان ولاؤه للذي ابتاعه .
ولو عجز فهو عبدٌ له . وبه قال النخعي ، وعطاء ، والليث ، وأحمد ، وأبو ثور . ومنهم من منع بيع المكاتب إلا أن يعجز .
وبه قال مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم . وأجاز مالك بيع الكتابة ، فإن أدَّاها عتق ، وإلا كان رقيقًا لمشتري الكتابة . ومنع ذلك أبو حنيفة لأنه بيع غرر .
واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة . وكل هذا الخلاف سببه اختلاف فُهومهم في حديث بريرة وقواعد الشريعة ، وقد قدمنا : أن الأظهر من الحديث جواز بيع المكاتب للمعتق ، وهو أحسنها ؛ لأنه الأظهر من الحديث ، والأنسب لقواعد الشرع ؛ لأن الكتابة عقد عتق على شرط عمل أو مال ، وقد يحصل ذلك أو لا يحصل . وبيعه للعتق إسقاط لذلك الشرط ، وتنجيز للعتق .
والله أعلم . والولاء للمشتري ؛ لأن عقد الكتابة قد انفسخ . المسألة الرابعة : اتفق المسلمون على أن المكاتب إذا حلَّ عليه نجم أو أكثر ، فلم يطالبه سيده بذلك ، وتركه على حاله ؛ أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك .
واختلفوا فيما إذا كان العبد قويًا على السعي والأداء . فقال مالك : ليس له تعجيز نفسه إذا كان له مال ظاهر ، وإن لم يظهر له مال كان له ذلك . وقال الأوزاعي : لا يُمَكَّن من تعجيز نفسه إذا كان قويًّا على الأداء .
وقال الشافعي : له أن يعجز نفسه ؛ علم له مال أو قوة ، أو لم يعلم . وإذا قال : قد عجزت ، وأبطلت الكتابة ، فذلك إليه . قلت : والصحيح : أن الكتابة لا سبيل إلى إبطال حكمها ما أمكن ذلك ؛ لأنها إما أن تكون عقدًا بين السيد وعبده ، وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود ، وإما وعدًا بالعتق وعهدًا ، فقد قال الله تعالى : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا وإما عتقًا على شرط يمكن تحصيله ؛ فيجب الوفاء به ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمنون على شروطهم ) ولأنه لو علَّق عتقه على أجل يأتي ، أو على أمرٍ يحصل لزمه العقد ، وحصل العتق عند حصول ذلك الشرط ، فكذلك عقد الكتابة .
ويستثنى من هذا بيعه للعتق ، كما بيَّناه . وإذا كان كذلك ، فلا يقبل من السيد ، ولا من العبد دعوى العجز حتى يتبين بالطرق المعتبرة في ذلك . المسألة الخامسة : إذا عجز العبد وكان السيد قبض منه بعض نجوم الكتابة حلَّ ذلك للسيد ، سواء كان ذلك من صدقة على المكاتب أو غيرها ، ولا رجوع للمكاتب بذلك ، ولا لمن أعطاه على وجه فكاك الرقبة .
هذا قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ، وأحمد بن حنبل ، ورواية عن شريح ، ومالك ، غير أنه قال : إن ما أُعني به - على جهة فك رقبته - : لا يحل للسيد ، ويرد على ربه . وقال إسحاق : ما أعطي بحال الكتابة ردَّ على أربابه . وقال الثوري : يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب .
وهو قول مسروق ، والنخعي ، ورواية عن شريح . قلت : وما قاله مالك ظاهر ، لا إشكال فيه . المسألة السادسة : فيه دليل على أن بيع الأمة ذات الزوج لا يوجب طلاقها .
وعليه فقهاء الأمصار . وقد روي عن ابن عباس ، وابن مسعود : أنه طلاق لها . والعجب من ابن عباس أنه أحد رواة حديث بريرة ، ومع ذلك : لم يقل بما روى من ذلك .
المسألة السابعة : الولاء - وإن لم يوهب ولم يبع- يصح فيه الجرُّ في صورتين : إحداهما : وهي التي قال فيها مالك : الأمر المجمع عليه عندنا في ولد العبد من امرأة حُرَّة ، ووالد العبد حر: أن الجدَّ - أبا العبد - يجرُّ ولاءَ ولد ابنه الأحرار من امرأةٍ حرَّة ، ويرثهم ما دام أبوهم عبدًا ، فإن أٌعتِقَ أبوهم رجع الولاء إلى مواليه ، وإن مات وهو عبد كان الولاء والميراث للجد . وأما الصورة الثانية : فاختلف أهل العلم في انتقال الولاء الذي قد ثبت لموالي الأمة المعتقة في بنيها من الزوج العبد إن أعتق . فروي عن جماعة من العلماء : أن ولاءهم لموالي أمهم ، ولا يجره الأب إن أُعتق .
وروي ذلك عن عمر ، وعطاء ، وعكرمة بن خالد ومجاهد ، وابن شهاب وقبيصة بن ذؤيب ، وقضى به عبد الملك بن مروان في آخر خلافته ، لما بلغه قضاء عمر به ، وكان قبلُ يقضي بقضاء مروان : أن الولاء يعود إلى موالي أبيهم ، وبهذا القول قال مالك ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، وسفيان الثوري ، والليث بن سعد ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . المسألة الثامنة : ولاء السائبة - وهو : الذي بقول له معتقه : أنت عتيق سائبة ، أو أنت مسيب ، أو ما أشبهه - : للمسلمين عند مالك ، وجُلّ أصحابه . لا للذي أعتقه .
وليس للمعتق أن يوالي من شاء . وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وروي عن عمر . وقال ابن شهاب ، ويحيى بن سعيد ، والأوزاعي ، والليث : له أن يوالي من شاء ، وإلا فللمسلمين .
وكان الشعبي وإبراهيم يقولان : لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته . وقال أبو حنيفة ، والشافعي رحمهما الله تعالى وأصحابهما ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود : هو لمعتقه لا لغيره ، ولا يوالي أحدًا .