باب كان في بريرة ثلاث سنن
( 3 ) باب كان في بريرة ثلاث سنن ( 1504 ) ( 10 و11 و13 ) [1572] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا ، وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اشْتَرِيهَا ، وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ قَالَتْ: وَعَتَقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا قَالَتْ: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِي لَنَا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ . وفي رواية : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْوَلَاءُ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا . ( 1504 ) ( 14 ) [1573] وعَنْها قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ ، فَدَعَا بِطَعَامٍ ، فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدُمٍ مِنْ أُدُمِ الْبَيْتِ ، فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ عَلَى النَّارِ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا: إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ . ( 3 ) ومن باب : كان في بريرة ثلاث سنن ( قول عائشة رضي الله عنها : كان في بريرة ثلاث قضيَّات ) تعني به : أن هذه الثلاث هي أظهر ما في حديثها من القضايا والسُّنن ، وإلا فقد تبيَّن : أن فيه من ذلك العدد الكثير ، حتى قد بلغت سننه إلى مائةٍ أو أكثر . ويحتمل أن يكون تخصيصها هذه الثلاث بالذكر ؛ لكونها أصولاً لما عداها مِمَّا تضمنه الحديث ، أو لكونها أهم ، والحاجة إليها أمسّ .
والله تعالى أعلم . فإحدى القضيَّات الثلاث : عتقها . والثانية : تخييرها .
والثالثة : أَكْلُ النبي صلى الله عليه وسلم مِمَّا تُصدِّقَ به عليها . و( قولها : وعتقت فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها ) هذه الرواية فيها إجمال وإطلاق . وقد زال إجمالها ، وتقيَّد إطلاقها بالروايتين المذكورتين بعدها .
فإن فيهما : أن بريرة كان لها زوج حين أعتقت ، وأن زوجها كان عبدًا . ومقتضى هذا الحديث بقيوده مجمعٌ عليه ؛ وهو : أن الأمة ذات الزوج العبد إذا أُعتِقت مخيرةٌ في الرِّضا بالبقاء مع زوجها أو مفارقته ؛ لشرف الحرّية الذي حصل لها على زوجها ، ولدفع مضرَّة المعرَّة اللاحقة لها بملك العبد لها . ولَمَّا كان هذا راجعًا لحقها ، لا لحق الله تعالى : خيّرها الرسول صلى الله عليه وسلم في أن تأخذ بحقها فتفارقه ، أو تسقطه ؛ فترضى بالمقام معه .
وعلى هذا : فلو كان زوجها حرًّا لم يكن لها خيار للمساواة بينهما ، ولنفي الضرر اللاحق بها . هذا مذهب جمهور العلماء . وقد شذَّ أبو حنيفة ، فأثبت لها الخيار ، وإن كان زوجها حرًّا ؛ متمسِّكًا بما قال الحكم : إن زوج بريرة كان حرًّا ، وكذلك قال الأسود .
وكلاهما لا يصح . قال البخاري : إن قول الحكم مرسل ، وقول الأسود منقطع ، قال : وقول ابن عباس : ( كان عبدًا ) أصح . وكذلك رواه جماعة عن يزيد بن رومان ، عن عروة ، عن عائشة : أنه كان عبدًا .
وهو الصحيح عنها . وقد تمسَّك أيضًا أبو حنيفة بما تخيَّله من أن علَّة تخيير بريرة كونها كانت مجبورة على النكاح ، فلما عتقت ملكت نفسها . وهو مطالب بدليل اعتبار هذه العلَّة .
وقد يتمسَّكون في ذلك بزيادة في حديث بريرة غير ثابتة فيه ، ولا مشهورة . وهي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة : ( ملكت نفسك فاختاري ) ولو سلمنا صحتها ، لكن لا نسلم : أن الفاء هنا للتعليل ، بل هي لمجرد العطف ، سلمنا أنها ظاهرة فيه ، لكن عندنا الإجماع على عدم اعتبار تلك العلَّة في ولاية الإجبار على الأصاغر . وذلك : أنهم يلزمهم ما عقد عليهم في حال صغرهم ذكرانًا كانوا أو إناثًا إذا زال حجرهم ، واستقلوا بأنفسهم ، ولا خيار يثبت بالإجماع .
لا يقال : بينهما فرق . وهو : أن جبر الأمة للرق ، وجبر الحرة للصغر ؛ لأنا نقول : ذلك الفرق صوري ، خلي عن المناسبة ؛ إذ الكل ولاية إجبار ، وقد ارتفع في الصورتين ، فيلزم تساويهما في الخيار فيهما ، أو في عدمه . والله تعالى أعلم .
قلت : وقد خرَّج البخاري حديث بريرة هذا عن ابن عباس فقال فيه : إن زوج بريرة كان عبدًا ، يقال له : مغيث ، كأني أنظر إليه خلفها يطوف يبكي ، ودموعه تسيل على لحيته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو راجعته ) قالت : يا رسول الله ! تأمرني ؟ قال : ( إنما أشفع ) . قالت : فلا حاجة . وزاد عليه أبو داود : وأمرها أن تعتد .
وزاد الدارقطني : عدة الحرَّة . وخرَّجه أبو داود من حديث عائشة فقال : إن بريرة عتقت وهي تحت مغيث - عبد لآل أبي أحمد - فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( إن قَرُبَكِ فلا خيار لك ) . وهذه الطرق فيها أبواب من الفقه زيادة على ما ذكره مسلم .
فمنها : جواز إظهار الرجل محبة زوجته . وجواز التذلل والرغبة والبكاء بسبب ذلك ؛ إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على مغيث شيئًا من ذلك ، ولا نبَّهَهُ عليه . وفيه : جواز عرض الاستشفاع ، والتلطف فيه ، وتنزل الرجل الكبير للمشفوع عنده ؛ وإن كان نازل القدر .
وفيه ما يدلُّ على فقه بريرة حيث فرقت بين الأمر والاستشفاع ، وأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم كان محمولاً عندهم على الوجوب ، بحيث لا يُرَدُّ ، ولا يُخَالَف . وفيه : النصوص : على أن الزوج كان عبدًا . وفيه : ما يدلُّ على أن تمكين المخيرة من نفسها طائعة يُبْطل خيارها .
ويفهم منه : أن كل من له الخيار في شيء فتصرف فيه تصرُّف الْمُلاك مختارًا ، إنه قد أسقط خياره . وفيه : جواز تصريح المرأة بكراهة الزوج . وفيه : ما يدلُّ على أن نفس اختيارها لنفسها كافٍ في وقوع الطلاق ؛ إذا لم تصرّح بلفظ طلاق ، ولا غيره .
لكن حالها دلَّ على ذلك ، فاكتفي به ، ووقع الطلاق عليها ، وحينئذ أمرها أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة . و( قولها : وكان الناس يتصدَّقون عليها ، وتهدي لنا ) يعني : أنها كانت معلومة الفقر ، فكانت تُقصَد بالصدقات - واجبها ، وتطوُّعها - وفي بعض ألفاظ هذا الحديث : ( يهدون لها ) ولا تناقض فيه ، فإنها كانت يُفعل معها الوجهان : الصدقة ، والهدية . وقد يجوز أن تُسمِّى الصدقة هدية ، كما قد أطلق عليها ذلك بعض الرواة فقال : ( أهدي لها لحم ) يعني به : تُصدِّق عليها ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( هو لها صدقة ولنا هدية ) .
وقد اضطربت ألفاظ الرواة لهذا الحديث ، فقال بعضهم : ( أهدي لها لحم ) . وقال بعضهم : ( تُصدِّق عليها بلحم بقر ) . وقال بعضهم : ( قالت عائشة : تُصدِّق على مولاتي بشاة من الصدقة ) .
وقال بعضهم : ( قالت عائشة : بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بريرة بشاة من الصدقة ) . قلت : وهذان اللفظان أنصُّ ما في الباب ، فليعتمد عليهما . وقد استوفينا في كتاب الزكاة ما بقي في هذا الحديث ، مِمَّا يحتاج إلى التنبيه عليه .
وفيه أبواب من الفقه لا تخفى .