باب فيمن أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله
) باب فيمن أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله ( 1668 ) ( 56 و57 ) [1592] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ عِنْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ ، فَدَعَاهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا . وفي رواية : أَنَّ رَجُلًا مِن الْأَنْصَارِ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ ، فَأَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ . ( 9 ) ومن باب : من أعتق عبيده عند موته ( قوله : إن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته ) ظاهره : أنه نَجز عتقهم في مرض موته .
وفي الرواية الأخرى : ( أنه أوصى بعتقهم ) . وهذا اضطراب ؛ لأن القضية واحدة . ويرتفع ذلك : بأن بعض الرواة تجوز في لفظ : ( أوصى ) لما نفذ عتقهم بعد موت سيدهم في ثلثه ؛ لأنه قد تساوى في هذه الصورة حكم تنجيز العتق وحكم الوصية به ؛ إذ كلاهما يخرج من الثلث ، وإنما كان يظهر الفرق بينهما لو لم يمت ، فإنه كان يكون له الرجوع عن الوصية بالعتق دون تنجيز العتق ؛ فإنه إذا صحَّ لزمه إما عتق جميعهم ، وإما عتق ثلثهم ؛ إذ ليس له مال غيرهم على الخلاف الذي في ذلك لأهل العلم .
و( قوله : فجزأهم أثلاثًا ) ظاهره : أنه اعتبر عدد أشخاصهم دون قيمتهم . وإنما فعل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد ، فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بد من تعديلهم بالقيمة ، مخافة أن يكون ثلثهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة . ولو اختلفوا في القيمة أو في العدد لَجزئوا بالقيمة ، ولعتق منهم ما يخرجه السهم ، وإن كان أقل من ثلث العدد .
وكيفية العمل في ذلك مفصلة في كتب أئمتنا . و( قوله : ثم أقرع بينهم ، فأعتق اثنين ، وأرق أربعة ) هذا نصٌّ في صحَّة اعتبار القرعة شرعا . وهو حجة للجمهور : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق على أبي حنيفة حيث يقول : إنه يعتق من كل واحد منهم ثلثه ، ولا يقرع بينهم ، وهذا مخالف لنصّ الحديث ، ولا حجة له بأن يقول : إن هذا الحديث مخالف للقياس ، فلا يعمل به ؛ لأنا قد أوضحنا في الأصول : أن القياس في مقابلة النص فاسد الوضع .
ولو سلَّمنا : أنَه ليس بفاسد الوضع لكانا كالدليلين المتعارضين ، وحينئذ يكون الأخذ بالحديث أولى ؛ لكثرة الاحتمالات في القياس وقلتها في الحديث ، كما بيناه في الأصول . و( قوله : وقال له قولاً شديدا ) أي : غلظ له بالقول ، والذم ، والوعيد ؛ لأنه أخرج كل ماله عن الورثة ، ومنعهم حقوقهم منه . ففيه دليل على أن المريض محجور عليه في ماله ، وأن المدبر ، والوصايا ، إنما تخرج من الثلث ، وأن الوصية إذا منع من تنفيذها على وجهها مانعٌ شرعي استحالت إلى الثلث ، كما يقوله مالك .