باب ما جاء في التدبير وبيع الْمُدَبَّر
) باب ما جاء في التدبير وبيع الْمُدَبَّر ( 997 ) ( 58 و59 ) [1593] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ . وفي رواية : فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ . ( 10 ) ومن باب : بيع الْمُدَبَّر وهو الذي يعتقه سيده عن دُبُر منه ؛ بأن يقول : أنت مدَبَّرٌ ، أو : قد دبَّرتُكَ ، أو : أنت حرٌّ عن دبُر منِّي .
وما أشبه ذلك مما يذكر فيه لفظ المدبَّر . ولا خلاف في أنَّه عقد شرعي مآله العتق بعد الموت . وهل هو لازم بحيث لا يحل ببيع ولا غيره ، أو هو عقد جائز ، فيجوز حله ببيع المدبَّر ، أو هبته ، ثم هل يُكره حلُّه أو لا ؟ اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال : فذهب مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن صالح ، وأصحاب الرأي إلى الأول .
فلا يخرج عن ملك المدبَّر بوجه من الوجوه إلا بأن يعتقه . وذهب إلى الثاني عائشة ، ومجاهد ، والحسن البصري ، وطاوس ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . فيجوز أن يبيعه صاحبه متى شاء .
وكرهت طائفة ذلك ، وهو القول الثالث . وممن ذهب إلى ذلك ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وابن سيرين ، والشعبي ، والزهري ، والنخعي . وقال الليث : يكره بيعه .
فإن جهل إنسان أو غفل فباعه ، فأعتقه الذي اشتراه ، فإن بيعه جائز ، وولاؤه لمن أعتقه . قلت : وهذا قياس من ذكر في القول الثالث . وقد تقدَّم سبب الخلاف في ذلك في كتاب الزكاة .
ونكتته : تعارض الأدلة . وذلك : أن التدبير عقد شرعي ، فالوفاء به واجب ؛ لقوله تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ولقوله : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ وظاهر الأمر الوجوب ، ولأن التدبير عقد عتق موقوف على وقت ، فيلزم كالعتق إلى أجل ، ولما حكاه مالك من إجماع أهل المدينة على منع بيع المدبَّر ، أو هبته . فهذه أدلة القول الأول .
ويعارض ذلك كله حديث جابر المذكور في هذا الباب . فإن النبي صلى الله عليه وسلم باع المدبَّر . وهو حجة القول الثاني ، وقد اعتذر عنه أصحابنا بأنها قضية معينة ، فيحتمل أن يكون بيعه في دين سابق على التدبير ، ويشعر بذلك قوله : ( لم يكن له مال غيره ) .
ومباشرة النبي صلى الله عليه وسلم لبيعه بنفسه ، فكأنه باعه عليه بالحكم للغُرماء ، والله تعالى أعلم . وأوضح المسالك ما صار إليه مالك .