باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ بخرصها تمرا
( 9 ) باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ بخرصها تمرا ( 1539 ) ( 61 و63 ) [1622] عن زَيْد بْن ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا . وفي رواية : رَخَّصَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَرِيَّةِ ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، يَأْكُلُونَه رُطَبًا . وفي أخرى : أَنْ يُبَاعَ بخرصها كيلا مكان تمرا .
قَالَ يَحْيَى بن سعيد : الْعَرِيَّةُ: أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ تَمَرَ النَّخَلَاتِ لِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا . ( 1540 ) [1623] وعَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ ، مِنْهُمْ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، وَقَالَ: ذَلِكَ الرِّبَا ، تِلْكَ الْمزابنة . إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ : النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا .
( 9 ) ومن باب : الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ وهي في اللغة - على ما نقله الجوهري - : النخلة يُعْرِيهَا صاحبها رجلاً محتاجًا ، فيجعل ثمرها له عامًا ، فيعروها ، أي : يأتيها . وهي : فعيلة ، بمعنى : مفعولة . وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت ، فصارت في عداد الأسماء ، كالنطيحة ، والأكيلة ، ولو جئت بها مع النخلة ؛ قلت : نخلة عري .
وأنشد لسويد بن الصامت :
فالعريَّة : اسم للنخلة المعطى ثمرها . فهي اسم لعطيَّة خاصة . وقد سمت العرب عطايا خاصة بأسماء خاصة ، كالمنيحة : لعطية الشاة لِلَّبن .
والإفقار : لما ركب فقاره . والإخبال : لما ينتفع به من المال . قلت : فقد حصل من نقل أهل اللغة : أن العرية عطية ؛ لا بيعٌ .
ولما ثبت ذلك فسَّر مالك ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، والأوزاعي العرية المذكورة في الحديث : بأنَّها إعطاء الرَّجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عامًا ، على ما تقتضيه اللغة . غير أنهم اختلفوا في شروط كثيرة ، وأحكام متعددة . وحاصل مذهب مالك في العرية : أنها عطية ثمرة نخلة أو نخلات من حائط ، فيجوز لمن أُعطيها أن يبيعها إذا بدا صلاحها من كل أحد بالعين ، والعروض ، ومن معطيها خاصة بخرصها تمرًا ، وذلك بشروط : أحدها : أن تكون أقل من خمسة أوسقٍ .
وفي الخمسة خلاف . وثانيها : أن تكون بخرصها من نوعها ويابسها نخلاً ، وعنبًا . وفي غيرهما مما يوسق ، ويدخر للقوت ، خلاف .
وثالثها : أن يقوم بالخرص عند الجداد . ورابعها : أن يكون المشترى جملتها ، لا بعضها . وخامسها : أن يكون بيعها عند طيبها ، فلو باعها من الْمُعْرِي قبل ذلك على شرط القطع لم يجز ، لتعدِّي محل الرُّخصة .
وأما الشافعي : فالعرية عنده : بيع الرُّطب في رؤوس النخل بتَمْر مُعَجَّل . فلم يعرج على اللغة المعروفة فيها . وكأنه اعتمد في مذهبه على تفسير يحيى بن سعيد راوي الحديث ، فإنه قال : العرية : أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا .
وهذا لا ينبغي أن يعوَّل عليه ؛ لأن يحيى بن سعيد ليس صحابيًّا ، فيقال : فهمه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يثبت به عرف غالب ج٤ / ص٣٩٤شرعي حتى يرجِّحه على اللغة . وغايته : أن يكون رأيًا ليحيى ، لا رواية له ، ثم يعارضه بتفسير ابن إسحاق ، فإنه قال : العرايا : أن يهب الرجل للرجل النخلات ، فيّشق عليه أن يقوم عليها ، فيبيعها بمثل خرصها . ثم هو عين المزابنة المنهي عنها ، ووضع رخصة في موضع لا ترهق إليه حاجة وكيدة ، ولا تندفع بها مفسدة ، فإن المشتري لها بالتمر متمكن من بيع تمره بعين أو عروض ، ويشتري بذلك رطبًا ، فإن قيل : قد يتعذَّر هذا .
قيل : فأجدر بيع الرُّطب بالتمر ؛ إذا كان لا على رؤوس النخل ؛ إذ قد يتعذر بيع التمر على من هو عنده ممن يريد أن يشتري الرطب به ، ولا يجوز ذلك ، فلا يجوز تفسير العرية بما ذكروا . وأمَّا أبو حنيفة : فإنَّه فسَّر العرية بما إذا وهب رجل ثمر نخلة ، أو نخلات ، ولم يقبضها الموهوب له ، فأراد الواهب أن يعطي الموهوب له تمرا ، ويتمسك بالثمرة ، جاز له ذلك ؛ إذ ليس من باب البيع ، وإنما هو من باب الرجوع في الهبة ؛ التي لم تجب بناء على أصله في أن الهبة لا تجب إلا بالقبض . وهذا المذهب إبطال لحديث العرية من أصله فيجب اطراحه .
وذلك : أن حديث العرية تضمن أنه بيع مُرَخَّص فيه في مقدار مخصوص . وأبو حنيفة يلغي هذه القيود الشرعية . و( قوله : ورخص في بيع العرية بخرصها تمرًا يأكلها أهل البيت رطبًا ) الخِرْصُ -بكسر الخاء - هو : اسم للمخروص ، وبفتح الخاء هو : المصدر .
والرواية هنا : بالكسر . و( أهل البيت )- على مذهب مالك ومن قال بقوله - : هم الْمُعْرُون ، فيضمنون مقدار العرية ، فيدفعون ذلك للمعرى له تمرًا عند الجداد رفقًا به حيث كفي المؤن ، وأعطي ما يقتات به . ويحصل من ذلك للمعري دفع ضرر ج٤ / ص٣٩٥تكرار دخول المعرى له إلى عريته لتعاهدها ، وسقيها ، واجتنائها .
فظهر لمالك : أن العرية إنما رخص فيها لأنها من باب المعروف ، والرفق ، والتسهيل في فعل الخير ، والمعونة عليه . وأما على مذهب الشافعي : فأهل البيت عنده هم : المشترون الذين يشترون الرطب بالتمر ليأكلوها رطبًا . وظهر له : أن الموجب لهذه الرخصة هو حاجة من له تمر لأكل الرطب .
وقد ذكرنا آنفًا ضعف هذا المعنى .