باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ بخرصها تمرا
( 1541 ) [1624] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أوسق ، يَشُكُّ دَاوُدُ بن الحصين . و( قوله : فيما دون خمسة أوسق ) أو ( في خمسة أوسق ) دليل على أن في العرية إنما تجري فيما يُوسَّق ويُكال . ثم هل تقصر على التمر والزبيب ، أو يلحق ج٤ / ص٣٩٦بهما ما في معناهما مما يُدَّخر للقوت ؟ قولان ؛ وقد تقدَّما .
والأولى : التعدية ، والإلحاق ؛ لأن المنصوص عليه في الحديث التمر ، وقد ألحق بها الزبيب قولاً واحدًا عندنا ، وليس منصوصًا عليه ، ولا سبب للإلحاق إلا أن الزبيب في معنى التمر ، فيلحق بهما كل ما في معناهما من المدخر للقوت . وقد وسَّع المناط يحيى بن عمر من أصحابنا فقاس سائر الثمار على النخل والعنب ، فأجاز بيع الثمار كلها بخرصها إذا طابت إلى الجداد . وشذَّ في ذلك شذوذًا منكرًا لم يقل به أحدٌ من أهل العلم .
وقد دلَّ هذا الحديث على قصر الرُّخصة على هذا القدر فلا يزاد عليه . لكن هذا إنما شرط في بيعها من معريها بخرصها كما تقدَّم ، وأمَّا من غيره ، أو منه بالعين أو بالعروض ، فجائز مطلقا من غير تقدير . هذا هو المشهور عن المذهب .
وقد روي عنه أنه لا يجوز شراؤها للمعري إلا بالخرص خاصة ، لا بغيره ؛ لأنه من باب : العود في الهبة ، ومحل الرُّخصة الخرص فيقصر عليه . وهذا هو سبب الخلاف في أكثر مسائل هذا الباب ؛ أعني : هل يقاس على الرخص ، أو لا ؟ و( قوله : فيما دون خمسة أوسق ، أو في خمسة أوسق ) هو شكٌّ من داود بن الحصين . وموضع الشك : الخمسة .
فتطرح ، ويعوَّل على أن الجواز مخصوص بما دونها لأوجه : أحدها : أن الحكم لا يثبت بالشك . والثاني : أن الأصل في المزابنة المنع ، إلا فيما تحققت فيه الرخصة ، ولم تتحقق هنا في الخمسة ، بل فيما دونها . والثالث : أن الخمسة الأوسق هو أول مقادير المال الكثير ، الذي تجب فيه ج٤ / ص٣٩٧الزكاة من هذا النوع .
ويكون مالكه من الأغنياء الذين يجب عليهم مواساة الفقير . وهو الذي لا نصاب له ، فقصر المرفق على من هو من نوع الفقراء مناسب لتصرف الشرع . وبهذا قال الشافعي ، إلا أنه قال : لا أفسخ البيع في مقدار خمسة أوسق ، وأفسخه فيما فوقها .
قلت : والأولى فسخه ؛ لأن الأصل منعه ؛ لأنه مزابنة ، ولم يتحقق الرافع للمنع . وقد تقدَّم : أن مالكا يشترط في جواز بيع العرية من معريها أن تُقَوَّم بالخرص عند الجداد . وهو قول جل أصحابه .
ولم يجيزوه بالنقد . وزعم بعضهم : أن ذلك جاء في الحديث . ولم أقف عليه في شيء من كتب الحديث مع طول بحثي عنه .
ومثل هذا الشرط لا يثبت إلا بالسمع ، فكأنَّ عند مالك سمع ولم يبلغنا ، والله تعالى أعلم . تنبيه : العرية عندنا مستثناة من أصول ممنوعة : من المزابنة ، والغرر ، ومن ربا التفاضل ، والنَّساء ، ومن الرجوع في الهبة . والذي سوَّغها ما فيها من المعروف ، والرفق ، وإزالة الضرر .
كما قدَّمناه ، والله تعالى أعلم .