باب فيمن باع نخلاً فيه تمر أو عبدا وله مال
) باب فيمن باع نخلاً فيه تمر ، أو عبدا وله مال ( 1543 ) ( 80 ) [1625] عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَه الْمُبْتَاعُ ، وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ . ( 10 ) ومن باب : من ابتاع نخلاً بعد أن تُؤَبَّر ( قوله : من ابتاع نخلاً بعد أن تُؤَبَّر فثمرتها للذي باعها ) أبار النخل ، وتأبيره : تلقيحه ، وتذكيره . وهو : أن يجعل في النخلة فحالة ، وعند ذلك تثبت ثمرتها بإذن الله تعالى .
يقال : أَبَرْتُ النخلة ، أبُرها بكسر الباء وضمها ، فهي مأبورة . ومنه قولهم : ( خير المال مهرة مأمورة ، أو سكَّة مأبورة ) . ويقال : أبرت النخل - مشدَّدًا - تأبيرًا .
وهي مؤبَّرة ، كقوِّمت الشيء تقويْمًا ، وهو مقوَّم . ويقال : تأبَّر الغسيل : إذا قبل الإبار . قال الراجز : تَأَبَّرِي يا خَيْرَةَ الغَسِيل إِذْ ضَنَّ أهلُ النَّخل بالفُحُول ويقال : ائتبرت ؛ إذا سألت غيرك أن يأبُرَ لك نخلك ، أو زرعك .
قال : وَلِيَ الأصل الذي في مثله يُصلِح الآبِرُ زَرعَ المؤتَبر هذا إبار ثمر النخل ، وإبار كل ثمر بحسب ما جرت العادة بأنه إذا فعل به ثبت ثمره وانعقد . ثم قد يعبَّر به عن ظهور الثمرة وعن انعقادها ، وإن لم يفعل فيها شيء . ومن هنا اختلف أصحابنا في إبار الزرع .
هل هو ظهوره على الأرض ، أو إفراكه ، وإذا تقرَّر هذا ، فظاهر هذا الحديث يقتضي بلفظه : أن الثمرة المأبورة لا تدخل مع أصولها إذا بيعت الأصول إلا بالشرط . ويقتضي دليل خطابه : أن غير المأبورة داخلة في البيع . وهو مذهب مالك ، والشافعي ، والليث .
وذهب أبو حنيفة : إلى أن الثمرة للبائع قبل الإبار وبعده . وقال ابن أبي ليلى : الثمرة للمشتري قبل الإبار وبعده . وهذا القول مخالف للنص الصحيح ، فلا يلتفت إليه .
وأما أبو حنيفة فالخلاف معه مبني على القول بدليل الخطاب ، فهو ينفيه . وخصمه يثبته . والقول بدليل الخطاب في مثل هذا ظاهر ؛ لأنه لو كان حكم غير المؤبر حكم المؤبر لكان تقييده بالشرط لغوًا لا فائدة له .
فإن قيل : فائدته التنبيه بالأعلى على الأدنى . قيل له : ليس هذا بصحيح لغة ولا عرفًا . ومن جعل هذا بمنزلة قوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ تعين أن يقال لفهمه : أفّ ، وتف .
و( قوله : إلا أن يشترطه المبتاع ) يعني : الثمر المؤبر لا يدخل مع الأصول في البيع إلا بالشرط . وصحَّ اشتراطه ؛ لأنه عينٌ موجودة ، يحاط بها ، أمن سقوطها غالبًا ، بخلاف التي لم تؤبَّر ، إذ ليس سقوطها مأمونًا ، فلم يتحقق لها وجود ، فلا يجوز للبائع اشتراطها ، ولا استثناؤها ، لأنها كالجنين . هذا هو المشهور عندنا .
وقيل : يجوز استثناؤها . وهو قول الشافعي . وخرج هذا الخلاف على الخلاف في المستثنى .
هل هو مبقى على ملك البائع ، أو هو مشترى من المشتري ؟ فرع : لو اشترى النخل وبقي الثمر للبائع ؛ جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة . قبل طيبها على مشهور قول مالك . ويرى لها حكم التبعية ؛ وإن أفردت بالعقد لضرورة تخليص الرقاب .
وعنه في رواية : أنه لا يجوز . وبذلك قال الشافعي ، والثوري ، وأهل الظاهر ، وفقهاء الحديث . وهذا هو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها .
و( قوله : من باع عبدًا ، فمال للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ) دليل على صحة قولنا : إن العبد يملك ، خلافًا للشافعي ، وأبي حنيفة ، حيث قالا : إنه لا يملك . وقد تقدَّم ذلك . ويلتحق بالبيع في هذا الحكم كل عقد معاوضةٍ ، كالنكاح ، والإجارة .
فأما العتق فيتبع العبد فيه مالُهُ ؛ لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أعتق عبدًا وله مال ، فمال العبد له ، إلا أن يشترط السَّيد ) . وقد رواه مالك في الموطأ موقوفًا على ابن عمر . ولا يضره التوقيف ، فإن المرفوع صحيح السند .
وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة ، والشافعي ، حيث قالا : إن المال في العتق للسيد . فأمَّا في الصدقة والهبة ، فهل يتبعه ماله فيهما ، أو لا ؟ قولان ، سببهما تردُّدهما بين البيع والعتق ؛ إذ فيهما شَبَهٌ من كل واحد منهما . وذلك : أن الهبة ، والصدقة خروج من ملك إلى ملك ، فأشبهت البيع ، وخروج عن ملك بغير عوض ، فأشبهت العتق .
والأرجح : إلحاقها بالبيع ، وقطعها عن العتق ؛ لاختصاص العتق بمعنى لا يوجد في غيره ، على ما قد أوضحه أصحابنا في كتبهم . وأما الجناية : فالمال فيها تبع للرَّقبة ، فينتقل بانتقالها ؛ لأن العبد الجاني إذا كان له مال فالجناية فيه ، فإن وسع الجناية بقيت الرقبة لسيده ، وإن لم يكن له مال ؛ تعلَّقت برقبته ، فكأن الرقبة مرجع عند العدم .