باب ما جاء في كراء الأرض
) باب ما جاء في كراء الأرض ( 1547 ) ( 111 ) [1628] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ . ( 1536 ) ( 89 و92 ) [1629] وعنه قال : كَانَ لِرِجَالٍ فُضُولُ أَرَضِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ . وفي أخرى : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا ، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ ، وَلَا يُكْرِهَا .
( 12 و13 ) ومن باب : كراء الأرض نَهْيُه صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض و( قوله : من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ، ولا يُكْرِها ) حجة لمن منع كراء الأرض مطلقا ، وحرَّمه ؛ وهم : رافع بن خديج ، وابن عمر - فيما رجع إليه - ، وطاوس اليماني ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، والحسن البصري . وخالفهم في ذلك الجمهور . ثم هم فريقان : الأول : أجاز كراءها بكلِّ ما يجوز أن يكون ثمنًا في البياعات من العروض ، والذهب ، والفضة ، والأطعمة المضمونة .
وهو مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، والأوزاعي ، والثوري ، متمسكين بقوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ والإجارة بيعٌ ، وبقول رافع : أما بالذهب والفضة فلا بأس . وفي طريق آخر : أما بشيء معلوم مضمون فلا بأس به ، وبقياس إجارة الأرض على العقار ، وهو من أقوى أنواع القياس ، لأنه في معنى الأصل . واعتذر هؤلاء عن أحاديث النَّهي بوجهين : أما أبو حنيفة : فعلى أصله في ترجيح القياس على خبر الواحد .
وأما الشافعي ومن قال بقوله : فيمكن أن يقال : حملوا مطلق تلك النواهي على مقيدها ، ورأوا : أن محل النهي إنما هو ما لم يكن مضمونًا ، ولا معلومًا . ويمكن أن يقال : إنهم صرفوا ظاهر النهي إلى التنزه عن ترك الأولى والأحسن ، كما فهمه ابن عباس حيث قال : لم ينه عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال : ( يمنح أحدكم أرضه خير من أن يأخذ عليها خرَجًا معلومًا ) وفي اللفظ الآخر : ( لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه كذا وكذا - لشيء معلوم - ) . وقوله : ( لم ينه ) أي : لم ينه عنه نهي تحريم ، بل نهي تنزيه ، على ما تقرر .
الفريق الثاني : هو مالك وأصحابه . فالمشهور من مذهبه : أنه لا يجوز كراؤها بشيء من الطعام كان ؛ مما تُنبته ، أو مما لا تنبته ؛ كالعسل واللبن وغيرهما ، ولا بشيء مما تنبته ما عدا القصب والخشب . وقال ابن كنانة : لا تكرى بشيء إن أعيد فيها نبت ، ولا بأس أن تكرى بغير ذلك .
وبه قال يحيى بن يحيى ، وقال : إنه من قول مالك . وقال ابن نافع : تكرى بجميع الأشياء كلها ؛ ما أكل منها وما لم يؤكل ؛ خرج منها ، أو لم يخرج ؛ إذا كان ما تكرى به بخلاف ما يزرع فيها ، وكأن مالكا رحمه الله جمع بين الأدلة ، فحمل أحاديث النهي على كرائها بالطعام أو بما تنبت . وأدلة الإباحة على ما عدا ذلك ، وفهم : أن علة المنع : الرِّبا .
وذلك : أن الأرض تكرى ليخرج منها الطعام ، فجعل لها حكم الطعام ، فلا يجوز أن تكرى بطعام ؛ لأنه يضارع طعامًا بطعام إلى أجل . وقد شهد بصحة ما رآه ما جاء في بعض ألفاظ حديث رافع بن خديج ؛ فيما خرَّجه أبو داود : أنه زرع أرضًا فمرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسقيها ، فسأله : ( لمن الزرع ؟ ولمن الأرض ؟ ) فقال : زرعي بيدي وعملي ، لي الشطر ، ولبني فلان الشطر . فقال : ( أربيتما ، فرُدَّ الأرض إلى أهلها ، وخذ نفقتك ) .
وهذا صريح : في أن ذلك من باب الربا وجهته . وهذا في الطعام واضح . وأما فيما ليس بطعام مما تنبته فسدٌ للذريعة على أصله ، والله تعالى أعلم .
وهذا القدر كاف . وقد كتبنا في هذه المسألة جزءًا حسنا .