باب من أدرك ماله عند مُفلس
( 18 ) باب من أدرك ماله عند مُفلس ( 1559 ) ( 22 و25 ) [1649] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . وفي رواية : أَيُّمَا امْرِئٍ فُلِّسَ . ( 1559 ) ( 23 ) [1650] وعنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُعْدِمُ إِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ وَلَمْ يُفَرِّقْهُ ، إنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ .
( 18 ) ومن باب : من أدرك ماله عند مُفلس ( قوله : إذا أفلس الرَّجل فوجد الرَّجل عنده سلعته بعينها فهو أحق بها ) . وقوله : ( أفلس الرجل ) : في اللغة : صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دنانير ، كما يقال : ج٤ / ص٤٣١أخبث الرجل ، أي : صار أصحابه خبثاء . وأقطف الرَّجل ؛ إذا صارت دابته قطوفًا .
والمفلس في عرف العرب : من لا مال له عينًا ، ولا عرضًا ، ولا غيره . ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ : ( أتدرون من المفلس ؟ ) قالوا : ما هو المعروف عندهم ، فأجابوه بقولهم : من لا درهم له ، ولا متاع . وهو في عرف الشرع : عبارة عن مِدْيان قصر ما بيده عن وفاء ما عليه من الديون ، فطلب الغرماء أخذ ما بيده .
وإذا كان كذلك ، فللحاكم أن يحجر عليه ، ويمنعه من التصرف فيما بيده ، ويُحَصِّله ، ويجمع الغرماء ، فيقسمه عليهم . وهذا هو مذهب الجمهور من الصحابة وغيرهم ، كعمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وعروة بن الزبير ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد . وقال النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة : ليس للحاكم أن يحجر عليه ، ولا يمنعه من التصرف في ماله ، لكن يحبسه ليوفي ما عليه ، وهو يبيع ما عنده .
والحجة للجمهور على هؤلاء حديث تفليس معاذ المتقدم . وقد قال فيه الزهري : ادَّانَ معاذٌ فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله حتى قضى دينه . وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالجهني الذي قال فيه : ألا إن أُسَيْفَعَ جُهينة رضي لدينه وأمانته أن يقال : سَبَقَ الْحَاجَّ ، ثم ج٤ / ص٤٣٢ادَّان مُعرضًا .
فمن كان له عليه دين فليحضر ، فإنا نبيع ماله . ولم يخالفه أحدٌ ، ثم يباع عليه كل ماله وعقاره . وقال أبو حنيفة : لا يباع عليه عقاره .
وقوله مخالف للأدلة التي ذكرناها ، فإنها عامة لجميع الأموال ، ولأن الدَّين حق مالي في ذمَّته ، فيباع عليه فيه عقاره ، كما يباع في نفقة الزوجات ، ولأن الفلس معنى طارئ يوجب قسمة المال ، فيباع فيه العقار كالموت . وقد اختلف العلماء في مشتري السِّلعة إذا أفلس أو مات ، ولا وفاء عنده بثمنها ووُجِدت . فقال الشافعي : صاحبها أحق بها في الفَلَس والموت .
وقال أبو حنيفة : صاحبها أسوة الغرماء فيها . وقال مالك : هو أحق بها في الفَلَس دون الموت . وسبب الخلاف : معارضة الأصل الكلِّي للأحاديث .
وذلك : أن الأصل أن الدَّين في ذمَّة المفلس والْمَيِّت وما بأيديهما محل للوفاء ، فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم ، ولا فرق في هذا من أن تكون أعيان السلع موجودة ، أو لا ؛ إذ قد خرجت عن مالك بائعها ، ووجبت أثمانها لهم في الذمة بالإجماع ، فلا يكون لهم إلا أثمانها إن وجدت ، أو ما وُجِد منها . فتمسَّك أبو حنيفة بهذا ، وردَّ الأخبار بناءً على أصله في ردِّ أخبار الآحاد عند معارضة القياس . وأما الشافعي ومالك : ج٤ / ص٤٣٣فتمسكا بالأخبار الواردة في الباب ، وخصَّصَا بها تلك القاعدة .
غير أن الشافعي تمسَّك في التسوية بين الموت والفَلَس بما رواه أبو داود من حديث أبي المعتمر ، عن عمر بن خَلْدة قال : أتينا أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ في صاحب لنا أفلس . فقال : لأقضين فيكم بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أفلس أو مات ، فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به . وبإلحاق الموت بالفلس ؛ لأنه في معناه ، ولم ينقدح بينهما فرق مؤثر عنده .
وأما مالك : فإنه فرَّق بينهما ، لما رواه عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أيُّما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ، ولم يقبض من ثمنه شيئًا ، فوجده بعينه ، فهو أحق به ، فإن مات الذي ابتاعه ، فصاحب المتاع أسوة الغرماء ) . قلت : وهذا مرسل صحيح . وقد أسنده أبو داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ، وهو طريق صحيح ، وفيه زيادة ألفاظ نذكرها بعد إن شاء الله تعالى ، ومذهب مالك أولى ؛ لأن حديثه أصح من حديث الشافعي ؛ لأن أبا المعتمر مجهول على ما ذكره أبو داود ، وللفرق بين الفلس والموت ، وذلك : أن ذمَّة المفلس باقية ، غير أنها انعابت ، ويمكن أن يزول ذلك العيب بالإيسار ، فيجد الغرماء الذين لم يأخذوا من السلعة شيئًا ما يرجعون عليه ، وليس كذلك في الموت ، فإن ذمَّة الميت قد انعدمت ، فلا يرتجعون شيئًا ؛ فافترقا ، والله تعالى أعلم .
وقد تعسَّف بعض الحنفية في تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات لا تقوم على أساس ، ولا تتمشى على لغةٍ ، ولا قياسٍ . فلنُضرب عن ذكرها ، لوضوح فسادها . ج٤ / ص٤٣٤و( قوله : فوجد الرَّجل سلعته بعينها ، فهو أحق بها ) مقتضى دليل خطابه : أنَّه لو وجدها قد تغيرت عن حالها ، أو وجد بعضها ، لم يكن له أن يأخذها .
وهذا يليق بمذهب أهل الظاهر . لكن علماؤنا فصلوا التغير إلى ثلاثة أنواع : النوع الأول : تغير انتقال ، كالعبد المتغير بزمانة ، أو بعتق ، أو عقد من عقوده . وكالثوب المتغير بقطعه قُمُصًا ، أو غيرها ، وكالحنطة المتغيرة بخلط مُسوِّس بها أو بغير نوعها ، أو بطحنها ، أو خبزها .
وكالخشبة المتغيرة بجعلها بابًا ، أو غيره . فهذا النوع مفوِّت ، ليس له الرُّجوع معه . الثاني : تغير غير انتقال ، كالمتغير بالمرض اليسير ، وكخلط القمح بمثله .
فهذا له الرُّجوع فيه ؛ إذ لا أثر لذلك التغير . ومن هذا النوع وجدان بعض السلعة . فله أن يأخذ ويضرب معهم بسهمه فيما بقي .
الثالث : تغير بإضافة غير السلعة إليها ، كالعرصة تُبنى ، والغزل يُنسج . فهذا يرجع في سلعته ، ويدفع قيمة البناء ، والنسج . وله مشاركة الغرماء في تلك القيمة ؛ إن بقي له من دينه شيء .
وفي هذا الباب فروع مختلف فيها بسبب تردُّدها بين هذه الأنواع . و( قوله في حديث الزهري ؛ الذي خرَّجه أبو داود : ( فإن كان قضاه من ثمنه شيئًا ، فما بقي فهو أسوة الغرماء ) بمقتضى هذا قال الشافعي ، فرأى : أن قبض بعضه مفوِّت . ولم يره مالك مفوِّتًا ، مع أنه روي معناه عن الزهري ، كما قدَّمناه من حديثه .
فقال-أعني مالكا - : إن شاء ربُّ السِّلعة أن يردَّ ما اقتضى ، ويأخذ السِّلعة ، كان له ذلك . وهذا مخالف لذلك الظاهر . وفيه إشكال ، غير أنّ الذي صح عند مالك هو اللفظ الذي في "موطئه" ؛ أعني مرسل أبي بكر بن عبد الرحمن ، ج٤ / ص٤٣٥ونصَّه ما قد بيَّنَّاه .
وهو يدل : على هذا الشرط بدليل المفهوم . وحديث أبي هريرة الذي في الأصل يدلُّ على إلغاء ذلك الشرط بدليل العموم . والتمسك به راجح على التمسك بالمفهوم كما ذكرناه في أصول الفقه .
فتأمل هذا ، فإنَّه حَسنٌ بالغٌ . والشافعي حيث تمسك بما رواه أبو داود من ذلك كان يلزمه أن يفرِّق بين الموت والفَلَس ؛ لأن الحديث واحد ، فإنه قال فيه : ( وأيُّما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئًا ، أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء ) . فأخذ ببعضه ، وترك بعضه لحديث مجهول ، كما قد بيَّنَّاه .
وما تقدَّم من الأحاديث في المفلس تدلُّ على أن جميع ما عليه من الدَّين يدخل في المحاصَّة ، ما حل منها ، وما لم يحل . وهو قول الجمهور ، خلا أن الشافعي قال في أحد قوليه : لا يحل عليه من دين مؤجل . وهذا ليس بصحيح للأحاديث المتقدِّمة ؛ ولأنه إذا خربت ذمَّة المفلس فقد لا تنعمر .
فلا يحصل لمن تأخر دينه شيء مع أنه يمكن أن يكون عِوَض دينه موجودًا حال الفلس ، أو بدله ، فيؤخذ شيئه ولا يحصل له شيء ، وإذا كان ذلك في الفلس كان الموت بذلك أولى . وهو متفق عليه ، إلا ما يحكى عن الحسن أنه قال : لا يحل ما على الميت من دين مؤجل . وهو محجوج بما تقدَّم ؛ وبأن الدَّين إما أن يبقى متعلقًا بذمة الميت ، وهو محالٌ لذهابها ، أو بذمَّة الورثة ، وهو محال لعدم الموجب .
ثم لا يلزم صاحب الدَّين اتباع ذمَّتهم ، وتسليم التركة إليهم . أو يبقى هذا الدَّين لا في ذمَّة ؛ فلا يطالب به أحدٌ ، وهو محال . فلم يبق إلا ما ذكرناه ، والله تعالى أعلم .