باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب
) باب بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب ( 1591 ) ( 89 ) [1680] عن فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ ، وَهِيَ مِنْ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ . ( 27 ) ومن باب : بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب ( قوله : أُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها خرز وذهب تباع من الغنائم ) . كان بيع هذه القلادة بعد قَسْم الغنيمة ، وبعد أن صارت إلى فَضَالة في سهمه ، كما قال في رواية حَنَش ؛ ولأن الغنيمة لا يتصرف في بيع شيء منها إلا بعد القِسْمة .
وأمره صلى الله عليه وسلم بتفصيل القلادة وبيع الذهب على انفراده : إنما كان لأن المشتري أراد أن يشتريها بذهب ؛ لقوله بعد هذا : ( الذهب بالذهب وزنًا بوزن ) أو يكون قد وقع البيع بذهب ، كما جاء في الرواية الأخرى التي قال فيها : إنه اشتراها باثني عشر دينارا ، ففصَّلها ، فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا ، ففسخ النبي صلى الله عليه وسلم البيع بقوله : ( لا تباع حتى تُفَصَّل ) ووجه هذا المنع في هذه الصورة : وجود المفاضلة بين الذهبين ، فإنَّه إن كان مساويًا للآخر ، فقد فضله من صار إليه الذهب ، والعَرَضُ بالعَرَض ، وإن لم يكن متساويًا فقد حصل التفاضل في عين أحد الذهبين ، كما قال في رواية الاثني عشر دينارًا . وهذا قول الجمهور . وقد شذَّ أبو حنيفة ، ومن قال بقوله ، وترك مضمون هذا الحديث فقال : إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذهب المضموم إليه السلعة جاز ، بناء منه على جعل السِّلعة في مقابلة الزائد من الذهب .
واعتذر عن الحديث : بأنه إنما فسخ ذلك لأن الذهب المنفرد كان أقل ، فلو كان أكثر جاز . وهذا التأويل فاسد بدليل الحديث الأول ، فإنَّه صلى الله عليه وسلم لما رأى القلادة قد عرضت للبيع بالذهب أمر بتفصيلها ، وبيَّن حكم القاعدة الكلية بقوله : ( الذهب بالذهب وزنًا بوزن ) ولم يلتفت إلى التوزيع الذي قال به أبو حنيفة . وقد غفل الطَّحاوي في تأويل ذلك الحديث ، حيث قال : إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لئلا يُغْبَن المسلمون في المغانم عمَّا ذكرناه : من أن هذا البيع إنما كان بعد القسمة ، ولو سلَّمنا أنها كانت قبل القِسْمة لكان عدوله صلى الله عليه وسلم عن ذلك المعنى إلى قوله : ( الذهب بالذهب وزنًا بوزن ) ضائعًا ، لا معنى له ؛ لأنه كان يلزم منه أن يعدل عن علَّة الحكم في وقت الحاجة إلى بيانه ، وينطق بما ليس بعلَّة ولا يُحتاج إليه ، بالنسبة إليه في تلك الواقعة .
ومن الناس من زاد على أبي حنيفة في الشذوذ ، وهو حمَّاد بن أبي سليمان ، فقال : يجوز بيع الذهب بالذهب الذي معه السِّلعة مطلقا ، ولم يُفرَّق بين المنفردة والمضموم إليها السلعة في الأقل ولا الأكثر . وهذا طرح للحديث بالكلية ، ولم يعرِّج على القاعدة الشرعية . فأما لو باع القلادة التي فيها الذهب بفضة ، فذلك هو البيع والصَّرف ، ولا يجوز عند مالك ؛ لاختلاف حكم البيع والصرف ، وسدًّا للذريعة .
وهذا ما لم يكن أحدهما تابعًا للآخر ، فإن كان ذلك جاز إلغاء للتَّبعيَّة . وقال أشهب : إنَّه يجوز البيع والصَّرف مطلقا ، وكل ما ذكرناه إنَّما هو فيما يمكن تفصيله . فأمَّا ما لا يمكن ذلك فيه ، إما لتعذره حِسًّا ، أو لأنَّه يؤدي إلى إتلاف مالية : فذلك إمَّا أن يكون ممنوع الاتخاذ ، فلا يجوز فيه إلا المصارفة على اعتبار التبعية على ما ذكرناه آنفًا .
وأما ما يجوز اتخاذه ؛ كالسَّيف ، والمصحف ، والخاتم ، وحلي النساء : فيجوز عندنا بيع ذلك كلِّه ، بخلاف ما فيه من العين ؛ ناجزا مطلقا من غير فصل بين قليل ولا كثير ؛ لأن ذلك إما صرف ، وإما بيع ، والتبع مُلغى . وإما بجنس ما فيه من العين : فيجوز إذا كان فيه من العين الثلث فدون ؛ عند مالك ، وجمهور أصحابه ، وكافة العلماء إلغاءً للتبعية ؛ ولأن ذلك قد يضطر إليه . ومنع ذلك الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، ومحمد بن عبد الحكم .
وروي عن جماعة من السلف ؛ منهم : عمر ، وابن عمر رضي الله عنهما ؛ اعتبارًا بوجود المفاضلة بين الذهبين ، وأبو حنيفة وحمَّاد على أصليهما المذكورين .