باب تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح
) باب تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح ( 1587 ) [1679] عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ قَالَ: غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ ، فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً ، فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، عَيْنًا بِعَيْنٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى . في رواية : الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ . فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ؟ فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ، قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ ، ( أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ ) مَا أُبَالِي أَلَا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ .
قَالَ حَمَّادٌ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ . وفي رواية : مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ . ومن حديث أبي هريرة : فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَهوْ ربا .
( 26 ) ومن باب : تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير والتمر والملح الرِّبا في اللغة : الزيادة مطلقا . يقال : ربا الشيء ، يربو : إذا زاد . ومنه الحديث : ( فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها ) يعني به : الطَّعام الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة .
ثم إن الشرع قد تصرَّف في هذا الإطلاق ، فقصره على بعض موارده ، فمرَّة أطلقه على اكتساب الحرام كيفما كان ، كما قال تعالى في اليهود : وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ولم يرد به الرِّبا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا ؛ وإنما أراد المال الحرام ، كما قال تعالى : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ يعني به : المال الحرام من الرُّشا ، وما استحلوه من أموال الأميين حيث : قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وعلى هذا : فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب . والربا الذي غلب عليه عُرْفُ الشرع : تحريم النَّساء ، والتفاضل في النقود ، وفي المطعومات ، على ما تقدم وعلى ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . و( قوله : غزونا غزاة ، وعلى الناس معاوية ) يعني : أميرًا ، لا خليفة ؛ فإن زمان خلافته متأخر عن ذلك الوقت بكثير .
و( قوله : فغنمنا آنية من فضة ، فأمر معاوية أن يبيعها في أُعطيات الناس ) هذا البيع لهذه الآنية كان بالدَّراهم ، ولذلك أنكره عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ واستدلّ عليه بقوله : ( الفضة بالفضة ) ولو كان بذهب أو عرض لَمَا كان للإنكار ، ولا للاستدلال وجه . و( قوله : فتسارع الناس في ذلك ) يعني في شراء تلك الآنية بالدَّراهم . وهو يدلُّ على أقلية العلماء ، وأن الأكثر الجهال .
ألا ترى معاوية ـ رضي الله عنه ـ قد جهل ذلك مع صحبته ، وكونه من كُتَّاب الوحي ، ويحتمل أن يقال : إن معاوية كان لا يرى ربا الفضل كابن عباس وغيره . والأول أظهر من مساق هذا الخبر . فتأمل نصَّه ؛ فإنَّه صريح : في أن معاوية لم يكن علم بشيء من ذلك .
و( قوله : نهى عن بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ) قد تقدَّم القول في النقود ، والقول هنا في الأطعمة . ولم يختلف في جريان الربا في هذه الأصناف الستة ، لكن هل تعلق حكم الرِّبا بأسمائها أم بمعانيها ؟ فأهل الظاهر قصروه على أسمائها ، فلا يجري الرِّبا عندهم في غير هذه الأصناف الستة . وفقهاء الأمصار من الحجازيين وغيرهم رأوا : أن ذلك الحكم متعلق بمعانيها .
وتمسَّكوا في ذلك بما تقدَّم ، وبأن الدقيق يجري فيه حكم الرِّبا بالاتفاق ، ولا يصدق عليه اسم شيء من تلك الأصناف المذكورة في الحديث . فإن قيل : دقيق كل صنف منها مردودٌ إلى حَبِّه في حكمه . قلنا : فهذا اعتراف بأن الحكم لم يتعلَّق بأسمائها ، بل بمعانيها .
والله تعالى أعلم . وقد اختلفوا في تعيين ذلك المعنى . فقال أبو حنيفة : إن علة ذلك كونه مكيلاً أو موزونًا جنسًا .
وذهب الشافعي في القديم : إلى أن المعنى : هو أنه مأكول مكيل ، أو موزون جنسًا . وفي الجديد : هو أنَّه مطعوم جنس . وحُكي عن ربيعة : أن العلة هي : كونه جنسًا تجب فيه الزكاة .
واختلفت عبارات أصحابنا . وأحسن ما في ذلك هو كونه مقتاتًا ، مدخرًا للعيش غالبًا جنسًا . ولبيان الأرجح من هذه العلل والفروع المبنية عليها علم الخلاف ، وكتب الفروع .
و( قوله : البُرُّ بالبُرِّ ، والشعير بالشعير ) دليل على أنهما نوعان مختلفان ؛ كمخالفة التمر للبُرٍّ ؛ وهو قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، والثوري ، وابن عُلّيَّة ، وفقهاء أهل الحديث . وذهب مالك ، والأوزاعي ، والليث ، ومعظم علماء المدينة والشام : إلى أنهما صنف واحد . وهو مروي عن عمر ، وسعيد ، وغيرهما من السَّلف متمسكين بتقاربهما في المنبت ، والمحصد ، والمقصود ؛ لأن كل واحد منهما في معنى الآخر ، والاختلاف الذي بينهما إنما هو من باب مخالفة جيِّد الشيء لرديئه .
و( قوله : فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ) إشارة إلى ما ذكره في الحديث من الأصناف ، ويلحق بها ما في معناها على ما ذكرناه آنفًا ، وينضاف إلى كل نوع منها ما في معناه ، وما يقاربه ، وما بعد عن ذلك كان صنفًا منفردًا بنفسه ، ولذلك لم يختلف قول مالك : في أن الدُّخْنَ صنف منفرد ، وكذلك الأرز ، وهو قول كافة العلماء . والعَلَس عند أكثر المالكية صنف منفرد . وقال الشافعي : هو صنف من أصناف الحنطة .
وقاله بعض أصحابنا . واختلف قول مالك في القطاني . هل هو صنف واحد ، أو أصناف ؟ وقد ضم مالك السَّلت إلى البر والشعير .
وقال الشافعي : هو صنف منفرد بنفسه . وقال الليث : السَّلت ، والدُّخْن ، والذرة ، صنف واحد . وقاله ابن وهب .
وسبب هذا الاختلاف اختلاف الشهادة بالتقارب في المقصود ، والمحصد ، والمنبت . فمن شهدت له عادة استعمال صنف في معنى صنف ، وشابهه في شيء مما ذكرناه ألحقه به . ومن لم يحصل له ذلك لم يلحق .
والأصل : أن ما اختلفت أسماؤه ، ومقاصده أن يعدَّ أصنافًا مختلفة بدليل ظاهر الحديث المتقدِّم ، والله تعالى أعلم . و( قوله : وزنًا بوزن ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ) يدل على وجوب تحقيق المماثلة في بيع الرِّبَوِيّ بصنفه . وذلك لا يكون إلا بمعيار معلوم مقداره بالشرع ، أو بالعادة وزنًا أو كيلاً .
والأولى عند مالك : أن تجعل ذهبك في كفة ، ويجعل ذهبه في كفة ، فإذا استوى أخذ وأعطي ، وكذلك يكون الكيل واحدًا ، ويجوز بصنجة واحدة ؛ معلومة المقدار بالعادة أو بالتحقيق . ولا يجوز عند مالك والشافعي في الصرف ولا غيره من البيوع أن يتعاملا بمعيار مجهول ، يتفقان عليه ؛ لجهل كل واحد منهما بما يصير إليه . قلت : وعلى هذا التعليل ؛ فلا تجوز المراطلة المذكورة ، لوجود الجهل المذكور .
و( قوله : فمن زاد أو استزاد فقد أربى ) أي : من بذل الزيادة ، وطاع بها ، ومن سألها ، كل واحد منهما قد فعل الرِّبا . وهما سواء في الإثم ؛ كما قال في الرواية الأخرى : ( الآخذ والمعطي فيه سواء ) أي : في فعل الْمُحَرَّم ، وإثمه . وفي كتاب أبي داود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الرِّبا ، وموكله ، وكاتبه ، وشاهديه ) .
وقال : ( هم سواء ) أي : في استحقاق اللعنة والإثم .