باب النَّهي عن الحكرة وعن الحلف في البيع
( 35 ) باب النَّهي عن الحكرة ، وعن الحلف في البيع ( 1605 ) [1697] عَنْ يَحْيَى ، - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ: أَنَّ مَعْمَرًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ . فَقِيلَ لِسَعِيدٍ: فَإِنَّكَ تَحْتَكِرُ؟ قَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَعْمَرًا الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ يَحْتَكِرُ . وفي لفظ آخر : لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ .
( 35 ) ومن باب : النَّهي عن الحكرة ( قوله : لا يحتكر إلا خاطئ ) . الاحتكار في اللغة : الادِّخار و( خاطئ ) : اسم فاعل من : خطئ - بكسر العين ، وهمز اللام - يخطأ -بفتح العين - خطئًا في المصدر - بكسر الفاء ، وسكون العين - ؛ إذا أثم في فعله ، على وزن : علم ، يعلم ، علمًا ، والاسم منه : الخطأ - بفتح الخاء ، والطاء - . وأخطأ : إذا سلك سبيل خطأ عامدًا ، أو غير عامد .
قاله أبو عبيد . وقال : سمعت الأزهري يقول : خطئ : إذا تعمَّد ، وأخطأ : إذا لم يتعمَّد ، إخطاء ، وخطئًا . والخطأ : الاسم .
قلت : وهذا الحديث بحكم إطلاقه ، أو عمومه يدل : على منع الاحتكار في كل شيء . غير أن هذا الإطلاق قد تقيّد ، أو العموم قد تخصص بما قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم فإنَّه قد ادَّخر لأهله قوت سنتهم . ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان لنفسه وعياله من قوت ، وما يحتاجون إليه جائز لا باس به .
فإذًا مقصود هذا منع التجار من الادخار . وإذا ظهر ذلك . فهل يمنعون من ادِّخار كل شيء من الأقوات ، والحيوان ، والعلوفة ، والسَّمن ، واللَّبن ، والعسل ، وغير ذلك - أضر بالناس أو لم يضر - إذا اشتري في أسواقهم ، كما قاله ابن حبيب أخذًا بعموم الخبر أو بإطلاقه ؟ أو : إنما يمنعون من ادِّخار ما يضر بالناس ادِّخاره عند الحاجة إليه من الأقوات ؟ وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وهو مشهور مذهب مالك .
وحملوا النهي على ذلك . قلت : وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى . لأن ما لا يضر بالناس شراؤه ، واحتكاره لا يخطأ مشتريه بالاتفاق .
ثم إذا اشتراه وصار ملكه فله أن يحتكره ، أو لا يحتكره . ثم قد يكون احتكاره لذلك مصلحة ينتفع بها في وقت آخر . فلعل ذلك الشيء ينعدم ، أو يقل ، فتدعو الحاجة إليه ، فيوجد ، فترتفع المضرة ، والحاجة بوجوده ، فيكون احتكاره مصلحة ، وترك احتكاره مفسدة .
وأما الذي ينبغي أن يمنع ما يكون احتكاره مضرة بالمسلمين . وأشدُّ ذلك في الأقوات لعموم الحاجة ، ودعاء الضرورة إليها ؛ إذ لا يتصور الاستغناء عنها ، ولا يتنزل غيرها منزلتها . فإن أبيح للمحتكرين شراؤها ارتفعت أسعارها ، وعز وجودها ، وشحت النفوس بها ، وحرصت على تحصيلها ، فظهرت الفاقات ، والشدائد ، وعمت المضار ، والمفاسد ، فحينئذ يظهر : أن الاحتكار من الذنوب الكبار .
وكل هذا فيمن اشترى من الأسواق . فأمَّا من جلب طعامًا ؛ فإن شاء باع ، وإن شاء احتكر ، ولا يعرض له إلا إن نزلت حاجة فادحة ، وأمر ضروري بالمسلمين ، فيجب على من كان عنده ذلك أن يبيعه بسعر وقته ، فإن لم يفعل جبر على ذلك ، إحياء للمهج ، وإبقاء للرَّمق . وأما إن كان اشتراه من الأسواق ، واحتكره ، وأضر بالناس ؛ فيشترك فيه الناس بالسعر الذي اشتراه به .
و( قول يحيى بن سعيدٍ لسعيد : إنك تحتكر ) يدل على أنهم كانوا لا يتسامحون في ترك العمل بما يروُونه من الحديث . وجواب سعيد أن معمرًا كان يحتكر دليل على أن العموم يخصص بمذهب الرَّاوي . وقد أوضحنا هذه الطريقة في الأصول .
وذلك منهم محمول على أنهم كانوا يحتكرون ما لا يضر بالناس ؛ كالزيت ، والأدم ، والثياب ، ونحو ذلك .