باب فيمن نحل بعض ولده دون بعض
( 2 ) باب فيمن نحل بعض ولده دون بعض ( 1623 ) ( 9 و12 و13 ) [1729] عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي قد نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ: لَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَارْجِعْهُ . وفي رواية : فرده .
وفي رواية : أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ ؟ قَالَ: لَا . قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ - فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ . ( 1623 ) ( 10 و12 ) [1730] وعنه أَنَّ أُمَّهُ ابنة رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا ، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ ، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي ! فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمَّ هَذَا ابِنْة رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بَشِيرُ ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ .
فَقَالَ: أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا . قَالَ: فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا ؛ فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ! وفي رواية قَالَ: فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي . ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً ؟ قَالَ: بَلَى .
قَالَ: فَلَا إِذًا . وفي أخرى قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا ، وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ . ج٤ / ص٥٨٤( 2 ) ومن باب : من نحل بعض ولده دون بعض
حديث النعمان بن بشير في هذا الباب كثرت طرقه فاختلفت ألفاظه ، حتَّى لقد قال بعض الناس : إنَّه مضطرب - وليس كذلك ؛ لأنه ليس في ألفاظه تناقض ، بل يمكن الجمع بينهاعلى ما نبينه إن شاء الله تعالى .
وقوله " إني نَحَلْتُ ابني هذا غلامًا " ، كان هذا النُّحل منه بعد أن سألته أمُّه - وهي عمرة بنت رواحة - بعض الموهبة من ماله ، كما قال قد جاء في الرواية الأخرى . و " نحلت " : أعطيت . و " النحلة " : العطية بغير عوض .
و " النحل " : الشيء المنحول . و " الموهبة " رواية أبي عيسى ، وهي مصدرٌ مزيدٌ من وهب يهب هبة وموهبة ، وهي هنا بمعنى الشيء الموهوب ، وعند كافة الرواة : الموهوبة - أي : بعض الأشياء الموهوبة . وجاء في الرواية الأخرى " وهبت " بدل " نحلت " ، وهو بمعناه .
وفي رواية : قال النعمان : " تصدق عليَّ أبي ببعض ماله " ، فسمَّي ذلك صدقة تجوزا ، فأمَّا أبوه بشير فسمَّاها نحلة وهبة حقيقة ، وهو أعلم بنيَّته وأثبت في قضيَّته ؛ لأن النعمان إذ ذاك كان غلامًا . وقوله " أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟ " تنبيه على أن الإنسان إذا أعطى بنيه ج٤ / ص٥٨٥سوَّى بينهم ذكرهم وأنثاهم ، وأن ذلك الأفضل ، وإليه ذهب القاضي أبو الحسن بن القصار من أصحابنا وجماعة من المتقدِّمين ، وذهب آخرون منهم عطاء والثوري ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وابن شعبان من أصحابنا - إلى أن الأفضل للذكر مثل حظ الأنثيين على قسمة الله تعالى المواريث . وقوله في الرِّواية الأخرى " أفعلت هذا بولدك كلهم ؟ " ، هذه الرواية بمعنى اللفظ الأول ، فهو نقل بالمعنى .
وكان هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سأله فقال له " ألك ولدٌ غيره ؟ " كما جاء في الرواية الأخرى ، فلما أجابه عن قوله " أفعلت هذا بولدك كلهم ؟ " بقوله " لا " قال " اتقوا الله ، واعدلوا بين أولادكم " ، وحينئذ قال : " لا تشهدني " لا يصلح هذا ، أشهد غيري " فإني لا أشهد على جَوْر " ، وفي الرواية الأخرى " فإني لا أشهد إلا على حق " ، وهي بمعنى " لا أشهد على جَوْر " . وكان هذا منه صلى الله عليه وسلم لما سأله بشير أن يشهد على الهبة ، كما قال : " إن ابنة رواحة أعجبها أن أشهدك على ما وهبت لابنها " ، ثم نبهه صلى الله عليه وسلم على علَّة أمره بالتسوية بينهم بقوله " أتحبُّ أن يكونوا لك في البرِّ سواء ؟ " قال : نعم . قال : " فلا إذًا " .
وإذا تأملت هذا تبيَّنْتَ ألا اضطراب في الروايات وانتظام ما يظهر في بادئ الأمر من الشَّتات ، ولما تبيَّن هذا تعيَّن أن نبحث عمَّا فيه من الأحكام ، والله المستعان . فأول ذلك أنَّه لا يجوز أن يخصَّ بعض ولده بعطاء ابتداء ، وهل ذلك على جهة التحريم أو الكراهة ؟ قولان لأهل العلم ، وإلى التحريم ذهب طاووس ، ج٤ / ص٥٨٦ومجاهد والثوري وأحمد وإسحاق ، وأن ذلك يُفْسَخُ إن وقع . وذهب الجمهور - مالك في المشهور عنه ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وغيرهم - إلى أن ذلك لا يُفْسَخ إذا وقع ، وقد حكى ابن المنذر عن مالك وغيره جواز ذلك ولو أعطاه ماله كله .
وحكى غيره عن مالك أنَّه إن أعطاه ماله كله ارتجعه . قال سحنون : من أعطى ماله كله ولدًا أو غيره ولم يبق له ما يقوم به لم يجز فِعْله . فمن قال بالتحريم تمسَّك بظاهر النهي وأيده بقوله : " لا يصلح هذا ، ولا أشهد على جور " ، وبقوله : " اتقوا الله ، واعدلوا بين أولادكم " وبأمره بردّ ذلك .
ومن قال بالكراهة انصرف عن ذلك الظاهر بقوله " أشهد على هذا غيري " . قال : ولو كان حرامًا لما قال هذا . وأنه إنما كان يذمُّ من فَعَلَه ومن يشهد فيه ويغلِّظ عليه كعادته في العقود المحرَّمة ، وبقوله " أيسرُّك أن يكونوا لك في البرِّ سواء ؟ " ؛ فإنه نبَّه على مراعاة الأحسن .
وبأن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ نحل عائشة رضي الله عنها جادَّ عشرين وسقًا من ماله بالغابة ولم ينحل غيرها من ولده شيئًا من ذلك ، ولأن الأصل جواز تصرُّف الإنسان في ماله مطلقا . وتأول هؤلاء ما احتجَّ به المتقدِّمون من قوله صلى الله عليه وسلم " لا يصلح هذا " وأن ذلك " جَوْر " على أن ذلك على الكراهة ؛ لأن من عدل عن الأولى والأصلح يصدق عليه مثل ذلك الإطلاق ، لأنه مما لا ينبغي أن يُقْدِم عليه ، ولذلك لم يشهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم . وأما أمره بالارتجاع بذلك لأنه يجوز للأب أن يرجع فيما وهب ولده كما تقدَّم ، وهو يدل على صحَّة الهبة المتقدمة كما قال صلى الله عليه وسلم : " مُره فليراجعها " ، وكان ذلك دليلاً على صحة الطلاق الواقع في الحيض .
وللطائفة الأولى أن تنفصل عن ذلك المنع : أن قوله ج٤ / ص٥٨٧" أشهد على هذا غيري " ليس إذنًا في الشهادة وإنَّما هو زجرٌ عنها ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد سمَّاه جورًا وامتنع من الشهادة فيه ، فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه . وعن قوله " أيسرك أن يكونوا في البر سواء ؟ " أن ذلك تنبيه على الأحسن ، فإن ذلك ممنوع ، بل ذلك تنبيه على مدخل المفسدة الناشئة عنه وهو العقوق الذي هو أكبر الكبائر ، وعن نُحْلِ أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أن ذلك يحتمل أنَّ كان قد نحل أولاده نحلاً يعادل ذلك ولم ينقل ، ثم إن ذلك الفعل منه لا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم . وعن التمسك بالأصل أن ذلك غير قادح ؛ لأن الأصل الكلِّيّ والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل في حكمه لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص ، وقد تقرر في الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص .
وعن التأويل أن ذلك مجاز ، وهو على خلاف الأصل . وعن الارتجاع بمنع أن يحمل ذلك على الاعتصار ؛ فإن لفظ الردِّ ظاهر في الفسخ ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ " ؛ أي : مفسوخ . ويؤيد ذلك قوله " فردَّ أبي تلك الصدقة " ، والصَّدقة لا يعتصرها الأب بالاتفاق .
وعند هذا الانفصال يتبيَّن للناظر أن القائل بالتحريم هو الذي صال ، وأمَّا القول بالجواز فلم يظهر له وجه به يجاز . ج٤ / ص٥٨٨تنبيه : مِن أبعد تأويلات ذلك الحديث قول من قال إن النهي فيه إنَّما يتناول من وهب ماله كلَّه لبعض ولده ، وكأنه لم يسمع في الحديث نفسه إن الموهوب كان غلامًا فقط ، وإنما وهبه له لمَّا سألته أمُّه بعض الموهبة من ماله ، وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مالٌ غيره . وفي هذا الحديث ما يدل على الاحتياط في العقود بشهادات الأفضل والأكبر ، وعلى حضِّ الأب على سلوك الطرق المفضية بابنه إلى برِّه ، ويجتنب ما يفضي إلى نقيض ذلك .
وفيه دليل على أن حَوْز الأب لابنه الصغير ما وهبه له جائز ، ولا يحتاج إلى أن يحوزه غيره ؛ فإن النُّعمان كان صغيرا ، وقد جاء به أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحمله . قال عياض : ولا خلاف في هذا بين العلماء فيما يعرف بعينه . واختلف المذهب فيما لا يعرف بعينه - كالمكيل ، والموزون ، وكالدراهم - هل يجزئ تعيينه والإشهاد عليه والختم عليه في الحوز أم لا يجزئ ذلك حتى يخرجها من يده إلى يد غيره ؟ وأجاز ذلك أبو حنيفة وإن لم يخرجه من يده .
وكذلك اختلف في هبته له جزءًا من ماله مشاعًا . قلت : وهذا الحكم إنما ينتزعه من هذا الحديث من حمل قوله " فارجعه " على الاعتصار . واختلف العلماء فيما لم يقبض من الهبات هل تلزم بالقول أم لا حتى تقبض ؟ فذهب الحسن البصري وحمَّاد بن أبي سليمان وأبو ثور وأحمد بن حنبل إلى أنَّها تلزم بالقول ولا تحتاج إلى حوزٍ كالبيع ، وقال أبو حنيفة ج٤ / ص٥٨٩والشافعي : لا تلزم بالقول ، بل بالحوز .
وذهب مالك إلى أنها تلزم بالقول وتتم بالحوز - وقد تقدم ذلك . والعلماء مُجْمِعُون على لزومها بالقبض ، وهبة المشاع جائزة عند الجمهور ، ومنعها أبو حنيفة .