باب النهي عن العود في الصدقة
( 1622 ) ( 5 ) [1728] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ . ج٤ / ص٥٨١وقوله " مثل الذي يرجع في هبته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه " ، إن كان المراد بالهبة الصدقة كما قد جاء في الرواية الأخرى فقد تكلّمنا عليها ، وإن كان المراد مطلق الهبة فهي مخصوصة ؛ إذ يخرج منها الهبة للثواب وهبة أحد الأبوين ، فأما هبة الثواب فقد قال بها مالك وإسحاق والطبري والشافعي - في أحد قوليه - إذا علم أنه قصد الثواب إما بالتصريح به وإما بالعادة والقرائن كهبة الفقير للغني والرَّجل للأمير ، وبها قال أبو حنيفة إذا شرط الثواب ، وكذلك قال الشافعي في القول الآخر . وقد روي عنهما وعن أبي ثور منعها مطلقا ، ورأوا أنَّها من البيع المجهول الثمن والأجل ، والأصل في جواز هبة الثواب ما خرَّجه الدارقطني من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يُثَبْ منها " ، قال : رواته كلهم ثقات .
والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله ، وما خرَّجه مالك عن عمر أنه قال : من وهب هبة لصلة الرَّحم أو على وجه الصَّدقة أنه لا يرجع فيها ، ومن وهب هبة يرى أنَّه إنما أراد بها الثواب ، فهو على هبته يرجع فيها ما لم يرض منها ،
وما خرَّجه الترمذي من ج٤ / ص٥٨٢حديث أبي هريرة قال : أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ناقة فعوضه منها بعض العوض ، فتسخَّطه . وفي رواية : أهدى له بكرة فعوَّضه ستَّ بكرات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر : " إن رجالاً من العرب يُهدي أحدُهم الهديَّة فأعوِّضه منها بقدر ما عندي ، فيظل يتسخَّطُ عليِّ ! وايم الله لا أقبل بعد يومي هذا من رجل من العرب هديَّة إلا من قرشيٍّ أو أنصاريٍّ أو ثقفيٍّ أو دوسيٍّ " . وهذا الحديث وإن لم يكن إسناده بالقوي فيعضده كل ما تقدم، وما حكاه مالك من أن هبة الثواب مجتمعٌ عليها عندهم ، وكيف لا تجوز وهي معاوضةٌ تشبه البيع في جميع وجوهه إلا وجهًا واحدًا ! وهو أن العوض فيها غير معلوم حالة العقد ، وإنما سامح الشرع في هذا القدر لأنهما دخلا في ذلك على وجه المكارمة لا المشاحَّة ، فعفا عن تعيين العوض فيه كما فعل في نكاح التفويض .
وأما هبة الأب لولده فللأب الرجوع فيها ، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي وأبو ثور والأوزاعي ، وقد اتفق هؤلاء على أن ذلك للأب ، وهل يلحق بالأب الأم والجد ؟ اختلف في ذلك قول مالك والشافعي ؛ ففي قول : يُقْصَرُ ذلك على الأب . وفي قول آخر : إلحاقهما به . والمشهور من مذهب مالك إلحاق الأم ، ومن مذهب الشافعي إلحاق الأم والأجداد والجدَّات مطلقا ، والأصل في هذا الباب
ما خرَّجه النسائي من حديث ابن عمر وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يحل لرجل يعطي عطية يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ، ومثل الذي يعطي عطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتَّى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه " ، وهذا حديث صحيح.
وقال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا ج٤ / ص٥٨٣أن من أعطى ولده عطيَّة ليس بصدقة أن له أن يعتصرها ، ما لم يستحدث الولد دينًا أو ينكح فليس للأب الاعتصار . وسبب اختلافهم في إلحاق غير الأب بالأب هو أنَّه هل يتناول الملحق اسم الأبوة أو الوالد أم لا ؟ وهل هم في معنى الأب أو يُفرَّق بينهم وبينه ؟ فإن للأب من الحق في مال الولد ما ليس لغيره ، وله من خصوصية القرب ما ليس لهم . قلت : أما إلحاق الأم فلا إشكال فيه ، وقد أوغل الشافعي في استرجاع الأب لما وهب ، ولو تعلَّق بالولد من الدين والتزويج كل طلب ، وللأب أن يعتصرها من كل من يقع عليه اسم ولد حقيقة أو مجازا مثل ولده لصُلْبه وولد ولده من أولاد البنين والبنات .
وحملت طائفة حديث النَّهي عن الارتجاع في الهبة على عمومه ، ولم يستثنوا من ذلك ولدًا ولا غيره ، وبه قال طاووس وأحمد ، والرجوع عندهم في الهبة محرم مطلقا ، والحجة عليهم ما تقدَّم من الحديث وعمل أهل المدينة الدَّالّين على استثناء الأب ، وقالت طائفة أخرى : إن المراد بذلك النهي من وهب لذي رحم أو زوج فلا يجوز له الرُّجوع ، وإن وهب لغيرهم جاز الرُّجوع - وهو قول الثوري والنخعي وإسحاق ، وقصره أبو حنيفة والكوفيون على كل ذي رحم محرم فلا رجوع له فيما يهبه لهم ، ويرجع فيما وهبه لغيرهم وإن كانوا ذوي رحم . قلت : وهذه تحكُّمات على ذلك العموم ، فيا لله من تلك الفهوم ! !