باب ما جاء في العمرى
) باب ما جاء في العمرى ( 1625 ) ( 20 ) [1733] عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَهَا وَعَقِبَكَ مَا بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ ، فَإِنَّهَا لِمَنْ أُعْطِيَهَا ، وَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ . ( 1625 ) ( 23 و26 و27 ) [1734] وعنه ، قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا . قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِهِ .
وفي رواية : قَالَ عليه الصَلَّاة وَالسَلَّامَ: الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ . وفي أخرى : أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا ، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ . وفي أخرى : جَعَلَ الْأَنْصَارُ يُعْمِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ .
وفي أخرى : قَالَ عليه الصلاة والسلام : الْعُمْرَى جَائِزَةٌ . ( 1625 ) ( 28 ) [1735] وعن أَبي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَعْمَرَتْ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ حَائِطًا لَهَا ابْنًا لَهَا ، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَتُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ ، وَتَرَكَ وَلَدًا ، وَلَهُ إِخْوَةٌ بَنُونَ لِلْمُعْمِرَةِ ، فَقَالَ وَلَدُ الْمُعْمِرَةِ: رَجَعَ الْحَائِطُ إِلَيْنَا ، وَقَالَ بَنُو الْمُعْمَرِ: بَلْ كَانَ لِأَبِينَا حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى طَارِقٍ مَوْلَى عُثْمَانَ ، فَدَعَا جَابِرًا فَشَهِدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَى لِصَاحِبِهَا ، فَقَضَى بِذَلِكَ طَارِقٌ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ ذَلِكَ ، وَأَخْبَرَهُ بِشَهَادَةِ جَابِرٍ ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: صَدَقَ جَابِرٌ ، فَأَمْضَى ذَلِكَ طَارِقٌ ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْحَائِطَ لِبَنِي الْمُعْمَرِ حَتَّى الْيَوْمِ . ( 4 ) ومن باب : العمرى ( قوله : أيُّما رجل أعمر عُمْرى له ولعقبه ) العمرى في اللغة : هي أن يقول الرَّجل للرَّجل : هذه الدار لك عمري أو عمرك .
وأصلها من العمر ؛ قاله أبو عبيد . وقال غيره : أعمرته الدَّار جعلتها له عمره . وقال الحربي : سمعت ابن الأعرابي يقول : لم يختلف العرب أن هذه الأشياء على ملك أربابها : العمرى ، والرُّقبى ، والسُّكنى ، والإطراق ، والمنحة ، والعرية ، والعارية ، والأفقار .
ومنافعها لمن جعلت له . قلت : وعلى هذا : فالعُمْرى الواردة في الحديث حقها أن تحمل على هذا . فتكون : تمليك منافع الرَّقبة مدة عمر من قُيِّدت بعمره ، فإن لم يذكر عقبًا ؛ فمات الْمُعْمَرُ رجعت إلى الذي أعطاها ولورثته .
فإن قال : هي لك ولعقبك ؛ لم ترجع إلى الذي أعطاها إلا أن ينقرض العَقِبُ . وعلى هذا : فيكون الإعمار بمعنى الإسكان ؛ إذا قيّده بالعمر ، غير أن الأحاديث التي جاءت في هذا الباب تقتضي بحكم ظاهرها أنَّها تمليك الرَّقبة على ما هي مسرودة في الأصل ، فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال : أحدها : ما تقدَّم ، وهي أنها تمليك منافع الرَّقبة . وهو قول القاسم بن محمد ، ويزيد بن قُسَيط ، واللَّيث بن سعد ، وهو مشهور مذهب مالك ، وأحد قولي الشافعي .
وقال مالك : وللمُعْمِر أن يُكريها ولا يُبْعِد ، وله أن يبيعها من الذي أعطاها ، لا من غيره . وثانيها : أنها تمليك الرَّقبة ومنافعها ، وهي هبة مبتولة . وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما ، والثوري ، والحسن بن حيّ ، وأحمد بن حنبل ، وابن شبرمة ، وأبي عبيد ؛ قالوا : من أعمر رجلاً شيئًا حياته فهو له حياته ، وبعد وفاته لورثته ؛ لأنه قد ملك رقبتها .
وشرط المعطي الحياة أو العمر باطل ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبطل شرطه ، وجعلها بتلةً . وسواء قال : هي لك حياتك ، أو : هي لك ولعقبك بعدك . وثالثها : إن قال : عمرك ؛ ولم يذكر العقب كان كالقول الأول .
وإن قال : هي لك ولعقبك ؛ كان كالقول الثاني . وبه قال الزهري ، وأبو ثور ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وابن أبي ذئب ، وقد روي عن مالك . وهو ظاهر قوله في موطأ يحيى بن يحيى .
فأهل القول الأول تمسَّكوا بأصل اللغة ، وعضدوا ذلك بما رواه ابن القاسم عن مالك قال : رأيت محمدًا وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم ، وعبد الله يعاتب محمدًا - وهو يومئذ قاض - يقول له : ما لك لا تقضي بحديث ابن شهاب في العُمْرى ؟ فقال : يا أخي ! لم أجد النَّاس عليه ، وأباه الناس . قال مالك : ليس عليه العمل ، ولوددت : أنه مُحِي . وعضدوه أيضًا بأن قالوا : الأصل بقاء ملك المعطي للرَّقبة بإجماع ، ولم يرد قاطع بإخراجه عن يده قبل الإعمار ، وتأولوا جميع تلك الظواهر الواردة في الباب .
وأما أهل القول الثاني : فظواهر الأحاديث معهم ، غير أنَّهم لا يُسلَّم لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطل شرط العمر ؛ لأنَّه لو أبطله لبطلت العمرى بالكليَّة ، ولامتنع إطلاق ذلك الاسم عليها ، ولم تبطل ؛ لأن الأصل في شروط المسلمين صحتها وبقاؤها بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المسلمون على شروطهم ) ذكره أبو داود وغيره عن أبي هريرة . فإن قيل : هذا من الشروط التي قد أبطلها الشرع بقوله : ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) ، قلنا : لا نسلّم : أنَّه ليس في كتاب الله ؛ لأن كتاب الله هنا يراد به : حكم الله ؛ بدليل السبب الذي خرج عليه الحديث المتقدَّم . وقد تقدَّم في العتق .
ثم يلزم على هذا إبطال المنحة ، والإفقار ، والعارية ، فإنَّها كلها عطايا بشروط ، وليست كذلك باتفاق . فإن قيل : فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن أبي ذئب في موطئه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنَّه قضى فيمن أعمر عُمْرى له ولعقبه : فهي بتلةٌ لا يجوز للمعطي فيها شرط ، ولا مثوبة . وهذا صريح في إبطال الشرط .
فالجواب : إنا لا نسلم : أن هذا الشرط المنهي عنه هو نفس الإعمار في قوله : هي لك عمرك ؛ لأنه لو كان كذلك لبطلت حقيقة العمرى ، كما قلناه ، ولأنه لو بطل ذلك لبطل قول المعطي : هي لك سنة من عمرك ، ولم يبطل بالاتفاق ، فلا تبطل . والجامع بين الصورتين : أن كل واحد منهما إعطاء ذكر فيه العمر . وقد قال القاسم بن محمد : ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم .
ومما يتمسكون به قوله صلى الله عليه وسلم : ( لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ) فقد صيَّرها ملكًا ؛ لأنه لا يورث عن الإنسان إلا ما كان يملك . ويجابون عن ذلك : بأن اللفظ ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول أبي سلمة بن عبد الرحمن ؛ كما قد رواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، وذكر الحديث المتقدِّم ، فلما فرغ قال : قال أبو سلمة : ( لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ) . ولئن سلم ذلك ؛ فإنما جاء ذلك من حيث ذكر العقب ، فيكون فيه حجة لأهل القول الثالث ، لا للثاني .
وأما أهل القول الثالث ، فكأنهم أعملوا الاسم فيما لم يذكر فيه العقب ، وتركوا مقتضاه ، حيث منع منه الشرع . وكأنهم جمعوا بين الاسم والأحاديث التي في الباب . وقد شهد لصحة هذا رواية من قال عن جابر : إنَّما العُمْرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : هي لك ولعقبك .
فأمَّا إذا قال : هي لك ما عشت : فإنها ترجع إلى صاحبها . قال : وبه كان الزهري يُفتي . ثم ما ورد من الروايات مطلقا فإنه مقيد بهذا الحديث .
غير أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم انتهى عند قوله : ( هي لك ولعقبك ) وما بعده من كلام الزهري ، على ما قاله محمد بن يحيى الذهلي . وهو مما انفرد به معمر عن الزهري . وخالفه في ذلك سائر من رواه عن الزهري من الأئمة الحفاظ ، كالليث ، ومالك ، وابن أخي الزهري ، وابن أبي ذئب .
ولم يذكروا ذلك . قلت : والذي يظهر لي ، وأستخير الله في ذكره : أنَّ حديث جابر في العُمْرى رواه عنه جماعة ، واختلفت ألفاظهم اختلافًا كثيرًا ، ثم رواه عن كل واحد من تلك الجماعة قوم آخرون . واختلفوا كذلك .
ثم كذلك القول في الطبقة الثالثة . وخلط فيه بعضهم بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس منه ، فاضطرب ، فضعفت الثقة به ، مع ما ينضاف إلى ذلك من مخالفته للأصل المعلوم المعمول به : من أن الناس على شروطهم في أموالهم ، كما قال القاسم بن محمد ، وكما دلَّ عليه الحديث المتقدم في الشروط . وينضاف إلى ذلك : أن الناس تركوا العمل به ؛ كما قال محمد بن أبي بكر .
فتعيَّن تركه ، كما قال مالك : ليته مُحِي . ووجب التمسك بأصل وضع العُمْرى ، كما تقدَّم ، وبالأصل المعلوم من الشريعة : من أن الناس على ما شرطوه في أعطياتهم . وهُذا القول الأول ، وليس على غيره معوَّل .
وإذا تقرر ذلك فلنبين وجه ردِّ تلك الروايات إلى ما قررناه . فأمَّا قوله : ( وإنها لا ترجع إلى صاحبها ، من أجل : أنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث ) . فيعني به : أنه لما جعلها للعقب ؛ فالغالب أن العقب لا ينقطع ، فلا تعود لصاحبها لذلك .
وأمَّا قوله : ( وقعت فيه المواريث ) فإن سلَّمنا أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فمعناه - والله أعلم - : أنَّها لما كانت تنتقل للعقب بحكم تلقيهم عن مورِّثهم ، ويشتركون في الانتفاع بها أشبهت المواريث ، فأطلق عليها ذلك . وأمَّا قوله : ( أمسكوا عليكم أموالكم ، ولا تفسدوها ) فإنه من باب الإرشاد إلى الأصلح ؛ لأن الإعمار يمنع المالك من التصرف فيما يملكُ رقبته آمادًا طويلة ، لا سيما إذا قال : هي لك ولعقبك ؛ فإن الغالب : أنها لا ترجع إليه ، كما قررناه . ولا يصح حمل هذا النهي على التحريم ؛ لأنَّه قد قال في الرِّواية الأخرى : ( العمرى جائزة لمن وهبت له ) أي : عطيَّة جائزة ، ولأنها من أبواب البر ، والمعروف ، والرفق .
فلا يمنع منه . وقول ابن عباس : لا تحِلُّ العُمْرى ولا الرُّقْبى ؛ محمول على ذلك ، فإنه قال إثر ذلك : فمن أعمر شيئًا فهو له ، ومن أرقب شيئًا فهو له . فقد جعلهما طريقين للتمليك .
فلو كان عقدهما حرامًا كسائر العقود المحرَّمة لأمر بفسخهما . وأمَّا قوله : ( فهي للذي أعمرها حيًّا وميتًا ) فيعني بذلك : إذا قال : هي لك ولعقبك ؛ فإنَّه ينتفع بها في حياته ، ثم ينتقل نفعها إلى عقبه بعد موته . وهذه الرواية وإن وقعت هنا مطلقة ؛ فهي مقيدة بالروايات الأخر التي ذكر فيها العقب ، لا سيما والرَّاوي واحد ، والقضية واحدة .
فيحمل المطلق منها على المقيَّد قولاً واحدًا ، كما قررناه في الأصول . و( قوله : إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن يقول : هي لك ولعقبك ؛ أي : أمضى جوازها وألزمه دائمًا على ما ذكرناه . و( قوله : وأمَّا إذا قال : فهي لك ما عشت ) فإنها ترجع إلى صاحبها ، فإن كان من قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو نصٌّ فيما اخترناه .
وإن كان من قول الرَّاوي ؛ فهو أقعد بالحال ، وأعلم بالمقال . تنبيه : القائلون : بأن العمرى تمليك الرقبة ؛ فرَّقوا بينها وبين السُّكنى . فلو قال : أسكنتك حياتك .
فإذا مات رجعت إلى صاحبها . إلا الشَّعبي : فإنه سوَّى بينهما ، وقال في السَّكنى : لا ترجع إلى صاحبها بوجه . وهو شاذٌّ لا يعضده نظر ، ولا خبر .
فإن العمرى عند القائلين : بأنها تمليك الرَّقبة ، خارجة عن القياس . وإنما صاروا إليه من جهة ظواهر الأخبار ، فلا تقاس السُّكنى عليها ؛ لأن الخارج عن القياس لا يُقَاس عليه كما قررناه في الأصول . ولا خبر فيه ، فلا يصار إليه .
والله تعالى أعلم .