باب فيما جاء في الْحُبْس
) باب فيما جاء في الْحُبْس ( 1632 ) [1736] عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ ، فَمَا تَأْمُر بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا . قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِه عُمَرُ ، أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا ، وَلَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ ، وَفِي الْقُرْبَى ، وَفِي الرِّقَابِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَالضَّيْفِ ولَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ . وفي رواية : غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا .
( 5 ) ومن باب : الْحُبْس ( قول عمر ـ رضي الله عنه ـ : يا رسول الله ! إنِّي أصبت أرضًا بخيبر لم أُصِبُ مالاً قطُّ هو أنفسُ منه ) يعني : أنَّه صارت له هذه الأرض بالقسمة . فإن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أرض خيبر التي افتتحت عُنوة كما قررناه في الجهاد . والمال النفيس : المغتبط به لجودته .
ويُسَمَّى هذا المال : ثَمْغ . ولما كان هذا المال أطيب أموال عمر ، وأحبَّها إليه أراد أن يتصدَّق به لينالَ البرَّ الذي ذكر الله تعالى في قوله : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وهذا كما قال الأنصاري صاحبُ بيرحاء ، فأرشده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأصلح في الصَّدقة وهو التحبيس ؛ من حيث إن صدقته جارية ، وأجره دائم في الحياة ، وبعد الموت . كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) .
و( قوله : فما تأمر به ؟ ) استشارة من عمر مع حُسن أدب ، ولذلك أجابه صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إن شئت حبست أصلها ، وتصدَّقت بها ) أي : بثمرها ، كما قد قال في الرِّواية الأخرى ، وليس هذا أمرًا من النبي صلى الله عليه وسلم له ، ولا حُكمًا عليه بالتحبيس . وإنما هي إشارة إلى الأصلح والأولى . ففيه دليل على جواز الاستشارة في الأمور ؛ وإن كانت من نوع القرب .
وعلى أن المستشار يجب عليه أن يشير بأحسن ما يظهر له ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره ؛ فقد خانه ) ، وقال : ( المستشار مؤتمن ) . ولما فهم عمر ـ رضي الله عنه ـ أنَّه أشار عليه بالأصلح بادر إلى ذلك ، فتصدَّق به على جهة تقتضي تحبيس الأصل ، والتصدُّق بالثمرة ، فكان ذلك دليلاً لجمهور العلماء على جواز الْحُبْس ، وصحته على من شذَّ ومنعه . وهذا خلاف لا يُلتفت إليه .
فإن قائله خرق إجماع المسلمين في المساجد ، والسقايات ؛ إذ لا خلاف في ذلك . وهو أيضًا حجة للجمهور على قولهم : إن الْحُبْس لازم ، وإن لم يقترن به حكم حاكم . وخالف في ذلك أبو حنيفة ، وزفر ، فقالا : لا يلزم ، وهو عطيَّة ، يرجع فيها صاحبها ، وتورث عنه إلا أن يحكم به حاكم ، أو يكون مسجدًا ، أو سقاية ، أو يوصي به ، فيكون في ثلثه .
ووجه الحجة عليه من هذا الحديث : أن عمر ـ رضي الله عنه ـ لما فهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إشارته بالتحبيس بادر إلى ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إنه لا يباع ، ولا يوهب ، ولا يورث . ثم إنه أمضى ذلك من غير أن يحكم به النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لم يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من الإشارة . وأيضًا : فإن الصحابة قد أجمعت على ذلك من غير خلاف بينهم فيه .
فقد حبس الأئمة الأربعة ـ رضي الله عنهم ـ وطلحة ، وزيد بن ثابت ، والزبير ، وابن عمر ، وخالد بن الوليد ، وأبو رافع ، وعائشة ، وغيرهم . واستمرت أحباسهم معمولاً بها على وجه الدَّهر ، من غير أن يقف شيء من ذلك على حكم حاكم . ولم يُحْكَ أن شيئًا من تلك الأحباس رجعت إلى المحبِّس ، ولا إلى ورثته .
ومن جهة المعنى : فإنَّها عطية على جهة القربة ، فتلزم ؛ كالهبة للمساكين ، ولذي الرَّحم ، وكالصَّدقة . ولأنه قد أُجمع على تحبيس المساجد من غير حكم . ولا فرق بين تحبيسها وتحبيس العقار لا سيما على الفقراء والمساكين .
فإذا ثبت هذا : فالْحُبْس لازم في كل شيء تمكن العطية فيه . واختلف عن مالك في تحبيس الحيوان ؛ كالإبل ، والخيل ، على قولين : المنع ؛ وبه قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف . والصحة : وبه قال الشافعي ، وهو الصحيح ؛ لأنه عطية على وجه القربة ، يتكرر أجرها ، كالعقار ، وغيره ، ولأن المسلمين على شروطهم ، وقد شرط صاحب الفرس في صدقته : أنها لا تباع ، ولا توهب ، ولا تورث .
فَيْنْفُذُ شرطه . وقد تقدم القول على هذا المعنى في باب العُمْرى . فإذا فهمت هذا ؛ فاعلم : أن الألفاظ الواقعة في هذا الباب إما أن يقترن معها ما يدل على التأبيد أو لا .
فالأوَّل : نحو قوله : لا يباع ، ولا يوهب ، ولا يورَّث ، أو : أبدًا ، أو : دائمًا ، أو : على مجهولين ، أو : على العقب . فهذا النَّوع لا يبالي بأيِّ لفظ نُسِق معه ؛ لأنه يفيد ذلك المعنى ؛ كقوله : وقف ، أو : حبس ، أو : صدقة ، أو : عطية . فأما الثاني : وهو إذا تجرد عما يدل على ذلك ، فلفظ الوقف صريح الباب ، فيقتضي التأبيد ، والتحريم .
ولم يختلف المذهب في ذلك . وفي الْحُبْس روايتان : إحداهما : أنه كالوقف . والثانية : أنه يرجع إلى المحبِّس بعد موت المحبَّس عليه .
والظاهر الأول ؛ لأنه يستعمل في ذلك شرعا وعرفًا . وأما الصدقةُ : فالظاهر منها أنها تمليك الرَّقبة . وفي رواية : أنها كالوقف .
وفيها بُعْدٌ إلا عند القرينة . واختلف فيما لو جمع بينهما فقال : حُبْسُ صدقةٍ . والظاهر : أن حكمه حكم الْحُبْس .
وصدقة : تأكيد . و( قوله : فتصدَّق بها عمر في الفقراء ، وفي القربى ، وفي الرِّقاب ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل ، والضيف ) قد تقدَّم القول في الفقير في كتاب الزكاة ، وكذلك : في الرِّقاب ، وفي سبيل الله ، وفي ابن السبيل . وأما القربى : فظاهره أنه أراد به قرابته .
ويحتمل أن يريد به : قرابة النبي صلى الله عليه وسلم المذكورين في الخمس والفيء . وفيه بُعْد ؛ لأنه قد أطلق على ذلك الحبس صدقة ، وهم قد حرموا الصدقة ، إلا إن تنزَّلنا : على أن الذي حرموه هي الصدقة الواجبة فقط . والرَّافع لهذا الاحتمال الوقوف على ما صنع في صدقة عمر .
فينبغي أن يبحث عن ذلك . والأولى حمله على قرابة عمر الخاصة به . والله أعلم .
و( قوله : لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ) هذا رفع للحرج عن الوالي عليها ، والعامل في تلك الصَّدقة في الأكل منها ، على ما جرت به عادة العمَّال في الحيطان من أكلهم من ثمرها حالة عملهم فيها . فإن المنع من ذلك نادر ، وامتناع العامل من ذلك أندر ، حتى أنه لو اشترط رب الحائط على العامل فيه ألا يأكل لاستُقْبِح ذلك عادة وشرعا . وعلى ذلك : فيكون المراد بالمعروف : القدر الذي يدفع الحاجة ، ويردُّ الشَّهوة ، غير أكل بسرفٍ ، ولا نَهْمةٍ ، ولا متخذًا خيانة ولا خُبْنَة .
وقيل : مراد عمر بذلك : أن يأكل العامل منها بقدر عمله . وفيه بُعْدٌ ؛ لأنه لا يصح ذلك حتى يُتأوَّل ( يأكل ) بمعنى : ( يأخذ ) لأن العامل إنَّما يأخذ أجرته ، فيتصرَّف فيها بما شاء من بيع ، أو أكل ، أو غير ذلك . و( أكل ) بمعنى : ( أخذ ) على خلاف الأصل ، ولأن مساق اللفظ لا يشعر بقصد إلى أن تلك الإباحة إنما هي بحسب العمل وبقدره .
فتأمله ، لا سيما وقد أردف عليه : ويطعم صديقًا غير متأثلٍ مالاً ؛ يعني به : صديقًا للوالي عليها ، وللعامل فيها . ويحتمل : صديقًا للمحبِّس . وفيه بُعْدٌ .
والمتأثل للشيء هو : المتَّخِذُ لأصله ، حتى كأنَّه قديم عنده . ومنه قول الشاعر : ولكنَّما أَسْعى لِمَجْدٍ مُؤثَّلٍ وقد يُدْرِكُ الْمَجْد المؤَثَّلَ أَمْثَالي أي : المجد القديم المؤصَّل . وأثلةُ الشيء : أصله .
وفيه ما يدلُّ على أنه يجوز الحبس على الأغنياء .