حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب إقامة الحد على من اعترف على نفسه بالزنا

) باب إقامة الحد على من اعترف على نفسه بالزنا 1695- ( 22 ) [1782] عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكَ ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ . قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْحَكَ ! ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ . قَالَ : فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟ .

فَقَالَ: مِنْ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبِهِ جُنُونٌ؟ . فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: أَشَرِبَ خَمْرًا؟ . فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَزَنَيْتَ؟ .

فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ، قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ، إنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ . قَالَ: فَقَالَوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ . قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنْ الْأَزْدِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ .

فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدّنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ . قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنْ الزِّنَى، فَقَالَ: آنْتِ؟ . قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ .

قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ . فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا . ( 4 و 5 و 6 ) ومن باب : إقامة الحد على من اعترف على نفسه بالزنى ( قول ماعز - رضي الله عنه - في هذه الرِّواية : يا رسول الله ! طهرني ) ولم يذكر فيها مماذا يُطهَّر ؟ وإنما أراد به : من إثم الزنى ، بإقامة الحدّ ، كما جاء في الرِّواية الأخرى ، فإنَّه قال : يا رسول الله ! إني قد ظلمت نفسي ، وزنيت ، وإني أريد أن تطهرني .

وهذه رواية محكمة ، وهكذا هذا الحديث روي بألفاظ متعددة بعضها يفسر بعضًا ، أو يُقيِّده . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : ويحك ! ارجع فاستغفر الله ، وتب إليه ) يدل على أن ما كان من حقوق الله تعالى يكفي في الخروج من إثمه التوبة ، والاستغفار ، وإن كان فيه حدٌّ . وفيه : جواز ستر الإمام على الزاني ما لم يتحقق السبب ، فإذا تحقق السبب الذي يترتب عليه الحدّ فلا بدَّ من إقامته ، كما ذكره مالك في الموطأ من مراسيل ابن شهاب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( من بلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر ، فإنَّه من يُبْد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ) .

فأمَّا حقوق الآدميين : فلا بدَّ مع التوبة من الخروج منها . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : أبه جنون ؟ ) هذا سؤال أوجبه ما ظهر على السَّائل من الحال التي تشبه حال المجنون ، وذلك : أنَّه جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منتفش الشعر ، ليس عليه رداء ، يقول : زنيت فطهرني . كما قد صحَّ في الرِّواية ، وإلا فليس من المناسب أن ينسب الجنون إلى من أتى على هيئة العقلاء ، وأتى بكلام منتظم مُقيد ، لا سيما إذا كان فيه طلب الخروج من مأثم .

و( قوله : أَشرِبَ خمرًا ؟ واستِنْكَاهُهُم له ) يدلُّ على أن مَنْ وجدت منه رائحة الخمر حكم له بحكم من شربها . وهو مذهب مالك ، والشافعي . وهو قول عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وعمر بن عبد العزيز .

وقال آخرون : لا يُحَدُّ بالرِّيح بل بالاعتراف ، أو البيِّنة ، أو يُوجد سكران . وإليه ذهب عطاء وعمرو بن دينار ، والثوري ، غير أنه قال : يعزر من وجد منه ريح الخمر . وفيه من الفقه ما يدلُّ على أن المجنون لا تعتبر أقواله ، ولا يتعلَّق بها حكم ، وهذا لا يختلف فيه .

وظاهر هذا الحديث : أن السَّكران مثل المجنون في عدم اعتبار إقراره ، وأقواله . وبه قالت طائفة من أهل العلم . وقالت طائفة أخرى ، وهو مالك ، وجل أصحابه : يؤخذ بإقراره ؛ لأنه لا يعرف المتساكر من السَّكران ، ولأنَّه لَمَّا كان مختارًا لإدخال السُّكر على نفسه صار كأنه مختار لما يكون في سكره .

وهذا مع أنا نقول : إن من ذهب عقله حتى لا يميز شيئًا فليس بمكلَّف ، ولا مخاطب خطاب تكليف في تلك الحال بالإجماع ، على ما حكاه ابن العربي . وإنَّما يتعلَّق به خطاب الإلزام المسمَّى بخطاب الوضع والإخبار ؛ على ما بيَّناه في الأصول . واعترافه على نفسه أربع مرَّات يَسْتدلُ به من يشترط في قبول إقرار الزاني العدد .

وهم : الحكم ، وابن أبي ليلى ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي ؛ فقالوا : لا يقام عليه الحدّ إلا إذا أقرَّ على نفسه أربع مرَّات تمسُّكًا بهذا الحديث ، وبأن الإقرار بالزنى كالشهادة عليه ، وقد انعقد الإجماع : على أن شهود الزنى أربعة ، فيكون الإقرار أربعة . ومن هؤلاء من شرط أن تكون الأربع الإقرارات في مجلس واحد . وإليه ذهب ابن أبي ليلى ، وأحمد .

وقال أصحاب الرأي : إذا أقرَّ أربع مرَّات في مجلس واحد فهو بمنزلة مرة واحدة . قلت : والأوَّل مقتضى قياس الإقرار بالزنى على الشهادة به ، وعلى القول الثاني يمتنع الإلحاق . والصحيح : أنَّه لا يشترط في الإقرار بالزنى ، ولا غيره عدد .

وهو مذهب الجمهور : مالك ، والشافعي ، وأبي ثور . وبه قال الحسن ، وحمَّاد . والدَّليل على صحة ذلك : أنه - صلى الله عليه وسلم - رجم الغامدية بإقرارها مرة واحدة ، ولم يستعد منها الإقرار ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( واغْدُ يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) ولم يأمره أن يستعيد إقرارها بذلك أربع مرَّات .

وأما تكرار اعتراف ماعز فإنما كان لأجل إعراضه عنه - صلى الله عليه وسلم - في الثلاث المرَّات ليستر نفسه ، وليتوب ، ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة ذلك . وأمَّا قياسهم الإقرار على الشهادة فليس بصحيح ، للفرق بينهما من وجوه متعددة . وذلك : أن إقرار الفاسق والعبد على نفسه مقبول بخلاف شهادتهما ، ويكفي منه في سائر الحقوق مرة واحدة بالإجماع ، إلا من شذَّ فقال : إنَّ الإقرار بالقتل لا يكون إلا مرَّتين كالشهادة به ، ولو كان الإقرار كالشَّهادة مطلقًا لاشترط فيه العدد مطلقًا ، ولو كان كالشهادة لما قُبل إقرار المرأة على نفسها بأنها جُرِحت أو أعتقت ؛ لأنَّها لا تقبل شهادتها في ذلك ، فبطل تمسكهم بالخبر والقياس .

والله الموفق . و( قوله : أزنيتَ ؟ فقال : نعم ) جاء هذا المعنى في كتاب أبي داود بأوضح من هذا : قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أنكتها ؟ ) قال : نعم . قال : ( حتى غاب ذلك منك في ذلك منها ؟ ) قال : نعم .

قال : ( كما يغيب الْمِرْوَد في الْمُكْحُلَة ، والرِّشاء في البِئْر ؟ ) قال : نعم . قال : ( هل تدري ما الزنى ؟ ) قال : نعم ، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرَّجُل من أهله حلالًا ) . وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - أخذ لماعز بغاية النصّ الرافع لجميع الاحتمالات كلها تحقيقًا للأسباب ، وسعيًا في صيانة الدماء .

ثمَّ لما فرغ - صلى الله عليه وسلم - من استفصاله عن ذلك سأله عن الإحصان . فقال : ( هل أحصنت ؟ ) قال : نعم ؛ يعني : هل تزوجت تزويجًا صحيحًا ، ووطئت وطئًا مباحًا ؟ فعندما أجابه بنعم ، أمر برجمه ، وذلك عند تحقق السبب الذي هو الزنى بشرطه ؛ الذي هو الإحصان . وقد أخذ علماؤنا من حديث أبي داود : أن شهود الزنى يصفون الزنى كما وصف ماعز ، فيقول الشاهد : رأيت فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة .

وإليه ذهب معاوية ، والزهري ، ومالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . و( قوله : فأمر به ، فرجم ) ، وفي الرِّواية الأخرى : ( فأمر به فحفر له ) ، وفي الرواية الأخرى قال : ( فما أوثقناه ، ولا حفرنا له ) ، وفي حديث الغامدية : ( أنها حُفِر لها إلى صدرها ) اختلاف هذه الروايات هو الموجب لاختلاف العلماء في هذا الحكم الذي هو : الحفر . فلم يبلغ مالكًا من أحاديث الحفر شيء ، فلم يقل به ، لا في حق المرأة ، ولا في حق الرَّجل ، لا هو ، ولا أصحابه .

وكذلك قال أحمد ، وأصحاب الرأي . وقالوا : إن حفر للمرأة فحسن . وقيل : يحفر لهما .

وبه قال قتادة وأبو يوسف . وروي في ذلك عن علي ، ووسَّع الشافعي ، وابن وهب للإمام في ذلك ، وخيراه . ثم قال في هذه الرواية الأخيرة : ( فرميناه بالعظم ، ثمَّ المدر ، والخزف ) ، قال : ( فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عُرْض الْحَرَّة ، فانتصب لنا ، فرميناه بِجَلامِيد الحرَّةِ حتى سكت ) يعني بالعظم : العظام ، والمدر : التراب الأحمر المنعقد ، والخزف : الشِّقاف ، وهي : كِسَر الفخَّار .

وعُرْض الْحَرَّة - بضم العين - : جانبها ، وسكت : معناه : سكن ؛ أي : مات . وقال أبو داود فيه من حديث هَزَّال ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( هلاَّ تركتموه لعلَّه أن يتوب فيتوب الله عليه ) . وقال أيضًا من حديث جابر : أن جابرًا قال : لما خرجنا به فرجمناه ، فوجد مس الحجارة صرخ بنا : يا قوم ! ردوني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن قومي قتلوني ، وغرُّوني من نفسي ، وأخبروني : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير قاتلي .

فلم ننزع عنه حتى قتلناه ، فلمَّا رجعنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأخبرناه فقال : ( هلا تركتموه وجئتموني به ) ليستثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ، فأمَّا لترك حدّ فلا . هذه الروايات متواردة : على أن ماعزًا لَمَّا وجد ألم الحجارة صدر منه ما يدلّ على أنه أراد أن يردَّ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا سيما وقد صرح بذلك في حديث جابر ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( فهلا تركتموه ، وجئتموني به ) ، فاستنبط منه كثير من العلماء : أن المعترف بما يجب عليه من الحد إن رجع عن إقراره مطلقًا لم يُحدَّ ، وممن ذهب إلى هذا : عطاء ، ويحيى بن يعمر ، والزهري ، وحمَّاد ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والنعمان ، ومالك في رواية القعنبي . وقيل : لا ينفعه رجوعه مطلقًا .

وبه قال سعيد بن جبير ، والحسن ، وابن أبي ليلى ، وأبو ثور . وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك . وقال أشهب : قال مالك : إن جاء بعذر قُبل منه ، وإلا لم يقبل ذلك منه .

قلت : وليس في شيء من هذه الروايات ما ينصّ على أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل رجوعه مطلقًا لا سيما مع قول جابر : ليستثبت في أمره ، فأمَّا لترك حدّ فلا . ولعلَّه كان يستدعي منه النبي - صلى الله عليه وسلم - الرُّجوع إلى شبهة كما صار إليه مالك في رواية أشهب . وهذا القول أعجب ما في هذه المسألة .

إنَّه إن رجع إلى شبهة درئ عنه الحد ، وإلا فلا . وقد قال أحمد بن حنبل ، وأبو ثور : إذا هرب تُرك اتِّباعًا لهذه الزيادة . وقاله بعض أصحابنا .

وقال : إن وُجد بالفور كمل عليه الحد . وإن وجد بعد زمان تُرِكَ . و( قوله : فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ) الإشارة بـ ( ذلك ) إلى ما وقع لهم من الاختلاف في شأن ماعز ؛ يعني : أنَّهم بقوا كذلك إلى أن تبيَّن لهم حاله بقوله : ( لقد تاب توبة لو قُسِمَت بين أُمَّةٍ لوسعتهم ) .

والأمَّة : الجماعة من الناس . وقد يقال على الجماعة مما لا يعقل . فيقال : أمَّة من الحمير ، ومن الطير .

ومنه قوله تعالى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ويعني بالأمَّة في هذا الحديث السبعين الذين ذكروا في حديث الغامدية . وزاد أبو داود من رواية ابن عباس : أن ماعزًا لما رجم سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه : انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه ، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب ، فسكت عنهما ، ثم سار ساعة حتى مرَّ بجيفة حمار شائلٍ بِرِجْلِه . فقال : ( أين فلان وفلان ؟ ) فقالا : نحن ذانِ يا رسول الله ! فقال : ( انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار ) فقالا : يا رسول الله ! من يأكل من هذا ؟ قال : ( فما نِلْتُما من عِرْضِ أَخِيكُما آنفًا أشد من أكلٍ منه ، والذي نفسي بيده ! إنَّه الآن في أنهار الجنة ينغمسُ فيها ) .

قلت : فهذه الروايات كلها متواردة على أن الحدّ كفارة ، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت حيث قال : ( فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة ) . وقد زاد أبو داود في حديث ماعز من حديث خالد بن اللجلاج : أنه لَمَّا رجم جاء رجل يسأل عن المرجوم ، فانطلقنا به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلنا : هذا جاء يسأل عن الخبيث . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لهو أطيب عند الله من ريح المسك ) ، فإذا هو أبوه ، فأعنَّاه على غسله وتكفينه ، ودفنه .

قال : وما أدري ؛ قال : والصلاة عليه ، أم لا ؟ وفيه دليل : على أن المرجوم يُغسَّل ، ويكفَّن ، ويصلَّى عليه . وفي معناه : كل من قتل في حدّ من المسلمين ، غير أن الإمام يجتنب الصلاة على من قتله في حدّ ؛ على مذهب مالك ، وأحمد بن حنبل ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على ماعز . وعند أبي بكر بن أبي شيبة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغامدية فصُلِّي عليها - بضم الصاد -كذا الرواية .

وفي كتاب أبي داود : أنَّه أمرهم : أن يصلوا عليها . وظاهر هذين الحديثين : أنَّه لم يصل عليها ، غير أنَّه في كتاب مسلم : صَلَّى عليها . وظاهره : أنَّه صلَّى بنفسه ، حتى قال له عمر : أتصلي عليها وقد زنت ؟ ! وبهذا استدل من قال : إن الإمام يُصلِّي على من قتله في حدّ ، على أنه يحتمل أن قول الراوي : صلَّى عليها ؛ أي : دعا لها ، واستغفر لها .

أو يكون معناه : أنه أمر أن يصلّى عليها . ويعتضد هذا بأنه لم يُصلِّ على ماعز ، كما قد روي من حديث معمر : أنه لم يصلِّ عليه . وفي بعض طرقه : أنَّه ما صلَّى عليه ، ولا استغفر له ، مع أنَّه قد صحَّ قوله : ( استغفروا لأخيكم ) .

فقالوا : غفر الله له . ولم يتلفظ هو بالاستغفار ، ولكنه أمر به ، فيجوز أن يكون جرى في الصلاة عليه كذلك . و( قوله : لعلك قبَّلت أو غمزت ) ، وفي بعض طرقه : ( لعلك ) ، واقتصر عليها .

فيه من الفقه : جواز تلقين الإمام للمقرِّ ما يدرأ عنه الحدّ . وقد روي ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأئمة العلماء . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال لسارقٍ : ( ما إخالُك سَرَقْتَ ) ، وروي عن أبي بكر ، وعمر ، وأبي الدرداء قالوا لسارقٍ : ( أسرقتَ ؟ قُل : لا ) .

وعن عمر : ما أَرَى يد سارقِ . وعن ابن مسعود : لعلك وجدته . وعن علي - رضي الله عنه - وقال لِحُبْلَى : لعلَّكِ استُكْرِهْتِ ، لعلَّك وُطِئْتِ نائمةً .

وقال للحُبْلى الباكِيَة : إن المرأة قد تُسْتَكْرَه . وقد أجاز ذلك أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وغيرهم . و( قوله : جاءت امرأة من غامد من الأزد ) كذا قال في هذه الرِّواية .

وفي الرواية الأخرى : ( من جهينة ) ، ولا تباعد بين الروايتين ؛ فإن غامدًا قبيلة من جهينة ، قاله عياض . وأظن جهينة من الأزد . وبهذا تتفق الروايات .

وقولها : ( إنَّها لَحُبْلَى من الزنى ) اعتراف منها من غير تكرار يطلب منها . ففيه دليلٌ على عدم اشتراطه على ما مرَّ . وكونه - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصلها كما استفصل ماعزًا ؛ لأنَّها لم يظهر عليها ما يُوجب ارتيابًا في قولها ، ولا شكًّا في حالها ، بخلاف حال ماعز ، فإنَّه ظهر عليه ما يشبه الجنون ، فلذلك استفصله النبي - صلى الله عليه وسلم - لِيَستَثْبِت في أمره ، كما تقدَّم .

و ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : حتى تضعي ما في بطنك ) يدل على أن الجنين - وإن كان من زنى - له حُرْمَة ، وأن الحامل لا تُحَدُّ حتى تضع ؛ لأجل حملها . وهذا لا خلاف فيه إلا شيء روي عن أبي حنيفة على خلاف عنه فيه . وقال في الرواية الأخرى : ( إمَّا لا ، فاذهبي حتى تلدي ) إمَّا : بكسر الهمزة التي هي همزته ( إن ) الشَّرطية ، زيدت عليها ( ما ) المؤكدة ؛ بدليل دخول الفاء في جوابها .

و( لا ) التي بعدها للنفي . فكأنه قال : إن رأيت أن تستري على نفسك وترجعي عن إقرارك فافعلي ، وإن لم تفعلي فاذهبي حتى تلدي . ثمَّ اختلف العلماء فيها إذا وضعت .

فقال مالك : إذا وضعت رجمت ، ولم ينتظر بها إلى أن تكفل ولدها . وقاله أبو حنيفة ، والشافعي في أحد قوليه . وهذا قول من لم تبلغه هذه الرواية التي فيها تأخير الغامدية إلى أن فطمت ولدها .

وقد روي عن مالك : أنها لا ترجم حتى تجد من يكفل ولدها بعد الرَّضاع . وهو مشهور قول مالك ، والشافعي ، وقول أحمد ، وإسحاق . وقد اختلفت الروايات في رجمها متى كان ؟ هل كان قبل فطام الولد ، أو بعد فطامه .

والأولى : رواية من روى : أنها لم ترجم حتى فطمت ولدها ، ووجدت من يكفله ؛ لأنَّها مُثْبِتةٌ حكما زائدًا على الرواية الأخرى التي ليس فيها ذلك ، ولمراعاة حق الولد . وإذا روعي حقه وهو جنين ، فلا ترجم لأجله بالإجماع ، فمراعاته إذا خرج للوجود أولى . ويستفاد من هذه الرِّواية : أن الحدود لا يبطلها طول الأزمان .

وهو مذهب الجمهور . وقد شذَّ بعضهم فقال : إذا طال الزمان على الحدّ بطل . قاله أبو حنيفة في الشهادة بالزِّنى والسَّرِقة القَدِيمين .

وهو قول لا أصل له .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث