حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب إقامة السادة الحد على الأرقاء

( 33 ) [1791] وعنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ قَالَ: إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ . وَالضَّفِيرُ : الْحَبْلُ و( قوله : ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير ) ، الضفير : الحبل المضفور ، فعيل بمعنى : مفعول .

وفي الرِّواية الأخرى : ( ولو بحبل من شعر ) [فوصف الحبل بكونه من شعر] ؛ لأنَّه أكثر حبالهم . وهذا خرج مخرج التقليل والتزهيد في الجارية الزانية ، فكأنَّه قال : لا تمسكها ، بعها بما تيسَّر . ففيه دليل على إبعاد أهل المعاصي واحتقارهم .

فروع : إذا باعها عرَّف بزناها ، فإنَّه عيبٌ ، فلا يحلُّ أن يكتم . فإن قيل : إذا كان مقصود هذا الحديث إبعاد الزانية ، ووجب على بائعها التعريف بزناها ، فلا ينبغي لأحد أن يشتريها ، لأنها مِمَّا قد أُمِرنا بإبعادها . فالجواب : إنَّها مالٌ ، ولا يُضاع ؛ للنهي عن إضاعة المال ، ولا تُسيَّب ، ولا تحبس دائمًا ؛ إذ كل ذلك إضاعة مال ، ولو سُيِّبت لكان ذلك إغراءً لها بالزنى وتمكينًا منه ، فلم يبق إلا بيعها .

ولعل السيِّد الثاني يُعِفُّها بالوطء ، أو يبالغ في التحرز بها ، فيمنعها من ذلك . وعلى الجملة فعند تَبَدُّل الأملاك تختلف عليها الأحوال . وجمهور العلماء حملوا الأمر ببيع الأمة الزانية على النَّدب ، والإرشاد للأصلح ، ما خلا داود وأهل الظاهر فإنهم حملوه على الوجوب تمسُّكًا بظاهر الأمر ، والجمهور صرفوه عن ظاهره تمُّسكًا بالأصل الشرعي ، وهو : أنَّه لا يجبر أحدٌ على إخراج ملكه لملك آخر بغير الشفعة .

فلو وجب ذلك عليه لجبر عليه ، ولم يجبر عليه فلا يجب . وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث جواز البيع بالغَبْن ، قال : لأنه بيع خطير بثمن يسير . وهذا ليس بصحيح ؛ لأنَّ الغبن المختلف فيه إنَّما هو مع الجهالة من المغبون .

وأمَّا مع علم البائع بقدر ما باع وبقدر ما قبض فلا يختلف فيه ؛ لأنَّه عن علم منه ورضًا ، فهو إسقاط لبعض الثَّمن ، وإرفاق بالمشتري ، لاسيَّما وقد بيَّنَّا : أن الحديث خرج على جهة التزهيد ، وترك الغبطة . و( قوله : سُئِل عن الأَمَة إذا زنت ولم تحصن ) هذه الزيادة التي هي قوله : ( ولم تحصن ) هي رواية مالك عن ابن شهاب . قال الطحاوي : لم يقله غير مالك .

قال غيره : ليس ذلك بصحيح ، بل قد رواه سفيان بن عيينة ، ويحيى بن سعيد ، عن ابن شهاب ، كما قاله مالك . واختلف في تأويل قوله : ( ولم تحصن ) . فقيل : لم تعتق ، وتكون فائدته : أنها لو زنت وهي مملوكة فلم يحدَّها سيِّدها حتى عتقت لم يكن له سبيل إلى جلدها .

والإمام هو الذي يقيم ذلك عليها إذا ثبت عنده . وقيل : ما لم تتزوَّج . وفائدة ذلك : أنَّها إذا تزوَّجت لم يكن للسِّيد أن يجلدها لحق الزوج ؛ إذ قد يضره ذلك .

وهذا مذهب مالك إذا لم يكن الزوج ملكًا للسيِّد ، فلو كان جاز للسيِّد ذلك ؛ لأنَّ حقَّهُما حقُّه . وقيل : لم تسلم . وفائدته : أن الكافرة لا تُحدُّ ، وإنما تُعزر وتُعاقب .

وعلى هذا فيكون الجلد المأمور به في هذا الحديث على جهة التعزير ، لا الحدّ . وهذا كله إنَّما هو تَنَزُّل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّق الجلد المأمور به في الجواب على نفي الإحصان المأخوذ قيدًا في السؤال ، وعلى القول بدليل الخطاب . وحينئذ يكون هذا الحديث على نقيض قوله تعالى : فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ فإن شرط الجلد نفي الإحصان ، وشرط الحدِّ في الآية ثبوت الإحصان ، فلا بدَّ أن يكون أحد الإحصانين غير الآخر .

ولو قدَّرناه واحدًا فيهما للزم أن يكون الجلد المترتب على نفي الإحصان في الحديث غير الحد المترتب على الإحصان المثبت في الآية . وقد اختلف في إحصان الآية ، كما اختلف في الإحصان المنفي في الحديث . فقال قوم : هو الإسلام .

قاله ابن مسعود ، والشعبي ، والزهري ، وغيرهم . وعلى هذا : فلا تُحدُّ كافرةٌ . وقال آخرون : إنَّه التزويج .

قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير . وعلى هذا فتُحدُّ المتزوجة وإن كانت كافرة ، كما قاله الشافعي . وقال آخرون : إنَّه الحرية .

وروي ذلك عن عمر ، وابن عباس ، وعلي . وعلى هذا : فلا تُحدُّ أمةٌ بوجه وإن كانت مسلمة ، لكنها يجلدها سيِّدها تعزيرًا . وكل هذا الخلاف أوجبه اشتراك لفظ الإحصان ، فإنَّه قد جاء في كتاب الله تعالى بمعنى : الإسلام ، والحرية ، والتزويج ، والعفاف .

والعفاف غير مراد في هذا الحديث ، ولا في هذه الآية بالاتفاق ، فبقي لفظ الإحصان محتملًا لأن يراد به واحد من تلك المعاني الثلاثة ، فترتب عليه الخلاف المذكور . والذي يرفع الإشكال عن الحديث إن شاء الله تعالى : أن نفي الإحصان إنما هو من قول السَّائل ، ولم يصرَّح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأخذه قيدًا في الجلد . فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض عنه ، وأفتى بالجلد مطلقًا .

ويشهد لهذا التأويل : أن الأحاديث الواردة في جلد الأمة إذا زنت ، ليس فيها ذكر لذلك القيد من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ .. . الحديث ) ولو سلمنا : أن ذلك القيد من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وتنزلنا على القول بدليل الخطاب ، فأولى الأقوال به أن يحمل على التزويج ، ويستفاد منه صحة مذهب مالك على ما قدَّمناه دفعا للاشتراك ، وتنزيلًا للحديث على فائدة مستجدَّة . والذي يحسم مادة الإشكال عن الحديث والآية حديث علي بعد هذا ، وهو قوله في حال خطبته : يا أيها النَّاس أقيموا على أرقائكم الحدّ ، من أحصن منهم ومن لم يحصن .

وهذا الحديث وإن كان موقوفًا على علي - رضي الله عنه - في كتاب مسلم ، فقد رواه النسائي ، وقال فيه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ؛ من أحصن منهم ، ومن لم يحصن ) وهذا ينصّ على أمر السَّادة بإقامة الحد الذي ذكره الله تعالى ، وليس بتعزير ، فإنَّه قد سمَّاه حدًّا ، وصرَّح بإلغاء اعتبار الإحصان مطلقًا ؛ إذ سوَّى بين وجوده وعدمه ، فتُحدُّ الأَمَة الزانية على أي حال كانت . ويعتذر عن تخصيص الإحصان في الآية بالذكر : بأنه أغلب حال الإماء ، أو الأهم في مقاصد الناس ، لا سيما إذا حمل الإحصان على الإسلام . وهو أولى الأقوال على ما قد أوضحه القاضي أبو بكر بن العربي .

والله تعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث