حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب الحد في الخمر وما جاء في جلد التعزير

) باب الحد في الخمر وما جاء في جلد التعزير 1706 - ( 35 ) [1793] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ . ( 10 ) ومن باب : الحدّ في الخمر ( قوله : أُتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل قد شرب الخمر فجلده ) ظاهره يقتضي : أن الخمر بمجرَّده موجبٌ للحدِّ ؛ لأن الفاء للتعليل ، كقولهم : سها فسجد ، وزنى فرُجِم . وهو مذهب الجمهور من الصحابة وغيرهم .

ولم يفرِّقوا بين شرب خمر العنب وغيره ، ولا بين شرب قليله وكثيره ؛ إذ الكل خمر ، كما قدَّمناه ، وللكوفيين تفصيل ينبني على ما تقدَّم ذكره في باب تحريم الخمر . وهو : أن من شرب شيئًا من خمر العنب النيَّئة وجب عليه الحدّ ، قليلًا كان أو كثيرًا ، لأن هذا هو المجمع عليه ، فإن شرب غيره من الأشربة فسكر : حُدَّ ، [وهذا أيضًا مجمع عليه] ، فإن لم يسكر لم يُحدَّ عندهم . وكذلك قالوا في مطبوخ العنب .

وذهب أبو ثور : إلى أن من رأى تحريم القليل من النبيذ جلد ومن لم يره لم يجلد ؛ لأنَّه متأوِّل . وقد مال إلى هذا الفرق بعض شيوخنا المتأخرين . والصحيح ما ذهب إليه الجمهور بما سبق ذكره في باب تحريم الخمر ، وبدليل قوله : ( من شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاقتلوه ) ، فعلَّق الحكم على نفس شرب ما يقال عليه خمر ، ولم يفرق بين قليل ، ولا كثير .

وقد بيَّنَّا : أن الكل يقال عليه خمر لغة وشرعًا ، بالطرق التي لا مدفع لها . فأما قتل الشارب في الرابعة : فمنسوخ بما روي من حديث جابر الذي خرَّجه النسائي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتي بنعيمان ، فضربه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع مرات . قال : فرأى المسلمون أن الحدّ قد وقع ، وأن القتل قد رفع .

فيحصل من هذا الحديث معرفة التاريخ ومعرفة إجماع المسلمين على رفع القتل . ومن حكي عنه خلاف ذلك فإنما هو خلاف متأخر مسبوق بالإجماع المتقدم .وقد عضد حديث جابر ما خرَّجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : أن رجلًا كان اسمه : عبد الله ، وكان يلقب حمارًا ، وكان يُضْحِك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جلده في الشراب ، فأُتي به يومًا ، فأمر به فجلد . فقال رجل من القوم : اللهم العنه ، ما أكثر ما يُؤتى به ! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تلعنوه ، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله .

وظاهره : أن هذا الشارب شرب أكثر من أربع مرَّات ، ثم لم يقتله ، بل شهد له أنَّه يحب الله ورسوله . و( قوله : فجلده بجريدتين نحو أربعين ) ، وفي الرواية الأخرى : ( جلد في الخمر بالجريد والنعال أربعين ) . هذه الروايات تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحد في الخمر حدًّا محدودًا ، وإنما كان ذلك منه تعزيرًا وأدبًا ، لكن انتهى في ذلك إلى أربعين .

ومما يدلّ على ذلك ما رواه أبو داود عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتي برجل شرب ، فقال : ( اضربوه ) . قال : فمنا الضارب بيده ، والضارب بنعله ، والضارب بثوبه . ثم قال لأصحابه : ( بكتوه ) ، فأقبلوا عليه يقولون : أما اتقيت الله ؟ ! أما استحييت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! وهذا كله يدلّ على أن ذلك كله أدب ، وتعزير .

ولذلك قال علي - رضي الله عنه - : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَسُنَّه ؛ أي : لم يحدَّ فيه حدًّا ، ولذلك اجتهدت الصحابة فيه ، فألحقوه بأخف الحدود ، وهو حدُّ القذف . هذا قولُ طائفةٍ من علماء أصحابنا وغيرهم ، وهو ظاهرٌ من الأحاديث التي ذكرناها . غير أنه يرد عليهم أن يقال : هذا معارضٌ بوجهين : أحدهما : أن علي بن أبي طالب قد قال : جلد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين ، وأبو بكرٍ أربعين ، وجلد علي بحضرة عثمان ، والصحابة - رضي الله عنهم - أربعين ، ودوامهم على مراعاة هذا العدد يدل على أنَّه حدٌّ محدود ، ولو كان تعزيرًا لاختلف بحسب اجتهاد كلّ واحدٍ منهم .

وثانيهما : أن الأمَّة مُجمعة على أنَّ الحدَّ في الخمر أحد العددين ؛ إمَّا أربعون ، وإمَّا ثمانون . قال القاضي عياض : أجمع المسلمون على وجوب الحدِّ في الخمر . وكيف تُجْمِعُ الأمَّةُ على خلاف ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! فالجواب عن الوجهين : أن الصحابة - رضوان الله عليهم - هم الذين نقلوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدلُّ على التعزير ، وهم الذين نقلوا ما يدل على التحديد .

والذين قاسوا واجتهدوا هم الذين عدَّدوا وحدَّدُوا ، ولم ينصَّ أحدٌ منهم على نفي أحد الوجهين وثبوت الآخر ، وإنما هو نقل أحوالٍ محتملة ، فلا بدَّ من التلفيق بين أقوالهم ؛ لاستحالة التناقض والكذب عليهم . ووجهُ التلفيق : أن الصحابةَ - رضي الله تعالى عنهم - فهمت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنَّ جَلده كان تعزيرًا ؛ لأنَّه قد اختلف حاله فيه ، فمرةً جلد فيه بالأيدي ، والنِّعال ، والثياب من غير عددٍ . ومرَّةً جلد فيه بالجريد والنعال أربعين .

ومرَّةً جلد فيه بجريدتين نحو الأربعين ، فهذه نحو الثمانين . فهذا تعزير بلا شك ، لكن لَمَّا كان أكثر جلده أربعين اختاره أبو بكر ، وعمر في أول أمره ، فلمَّا كثر إقدامُ الناس على شرب الخمر ، تفاوضت الصحابة في ذلك ونظروا ، فظهر لهم : أن ذلك القدر لا يزجرهم ، ولا يبالون به ، فظهر لهم أن يلحقوه بأخف حدود الأحرار المذكورة في القرآن ، فوجدوه القذف ، مع أنه قد ظهر لهم جامع بينهما ، فقالوا : إذا سَكِرَ هَذَى ، وإذا هَذَى افترى . ومع ما تقدَّم لهم من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قارب فيه الثمانين ، فأثبتوها ، ومنعوا من الزيادة عليها .

ولما ظهر هذا المعنى لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال مصرِّحًا به : جلد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين ، وأبو بكرٍ أربعين ، وعمر ثمانين ، وكل سُنَّة . ثمَّ إنَّه جلد هو أربعين ، وأقرَّه على ذلك عثمان ، ومَن حضر من الصحابة - رضي الله عنهم - وظهر له أن الاقتصار على أربعين أولى من الثمانين ؛ مخافةَ أن يموتَ فتلزمه الدِّية ، كما قد صرَّح به ؛ حيث قال : ما كنت أقيمُ على أحدٍ حدًّا فيموت فيه ، فأجد في نفسي ، إلا صاحب الخمر ، لأنه إنْ مات وَدَيْتُهُ . وهذا يدلُّ على أنَّه جلد فيه ثمانين في ولايته ، وأنَّه لم يخالف عمر في الثمانين ، وإيَّاها عَنَى بقوله : ( فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَسُنَّه ) ، ولا يصحُّ أن يريدَ بذلك الأربعين ؛ لأنه هو الذي روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلد فيه أربعين .

ولو مات في الأربعين لم تجب له ديةٌ بوجهٍ . ولذلك قال الشافعي : لو مات في الأربعين فالحقُّ قَتَلَهُ ، كما تقدَّم . فتفهَّم هذا البحث ، فإنَّه حسن .

وحاصله : أن الجلدَ على الخمر تعزير مُنِع من الزيادة على غايته . فرأت طائفه : أن غايته أربعون ، فلا يُزاد عليه . وبه قال الشافعي من الفقهاء ، والإجماع : على أنَّه لا يزاد على الثمانين ، فإن قيل : كيف يكون تعزيرًا وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يُجلَدُ أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله ؟ فمقتضى هذا : ألا يُزاد في التعزير على العشرة .

وبه قال من يأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى . فالجواب : إنَّه سيأتي الكلام على ذلك الحديث .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث