باب الحد في الخمر وما جاء في جلد التعزير
( 39 ) [1796] وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فِيهِ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ . و( قول علي : ما كنت لأقيم على أحد حدًّا فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر ؛ لأنَّه إن مات وديته ) يدلُّ على أن ما كان فيه حدٌّ محدود فأقامه الإمام على وجهه ، فمات المحدود بسببه ؛ لم يلزم الإمام شيء ، ولا عاقلته ، ولا بيت المال . وهذا مجمعٌ عليه ؛ لأنَّ الإمام قام بما وجب عليه ، والميت قتيل الله .
وأمَّا حدّ الخمر فقد ظهر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحدّ فيه حدًّا . فلما قصرته الصحابة على عدد محدود ، هو الثمانون ، وجد علي في نفسه من ذلك شيئًا ، فصرَّح بالتزام الدِّية إن وقع له موت المجلود احتياطًا ، وتوقيًّا ، لكن ذلك - والله أعلم - فيما زاد على الأربعين إلى الثمانين . وأمَّا الأربعون : فقد نص هو على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر جلداها ، وسمى ذلك سنة .
فكيف يخاف من ذلك ؟ وهذا هو الذي فهمه الشافعي من فعل علي هذا ، فقال : إن حدّ أربعين بالأيدي ، والنعال ، والثياب ، فمات ؛ فالله قتله . وإن زِيدَ على الأربعين بذاك ، أو ضرب أربعين بسوط فمات ؛ فديته على عاقلة الإمام . قلت : ويظهر لي من فعل عمر خلافُ ذلك : إنه لما شُهِدَ على قُدامة بشُرب الخمر استشار من حضره في جَلْدِه ، فقال القوم : لا نرى أن تَجْلِدَه ما دام وَجِعًا ، فسكت عمر عن جلده أيامًا ، ثم أصبح يومًا قد عزم على جلده ، فاستشارهم .
فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعًا . فقال عمر : والله لأن يلقى الله تحت السياط أحبُّ إلي من أن ألقى الله وهي في عنقي . والله لأجلدنَّه .
فجلده بسوط بين سوطين . وهذا يدلُّ : على أنَّه لا يلزم في ذلك دية لا على العاقلة ، ولا في بيت المال ؛ لأنَّ عمر سلك في حد الخمر مسلك الحدود المحدودة بالنصّ . وأمَّا جلد عمر لقدامة على ما ذكروا له من وَجَعِه ، فكأنه فهم أن وجعه لم يكن بحيث يبالى به ، ولا يخاف منه .
وكأنهم اعتذروا به ليتأخر ضربه شفقة عليه ، وحُنُوًّا . وقد ظهر ذلك منهم لما أَتَوه بسوطٍ دقيق صغير . فقال لأسلم : أخذتك دقرارة أهلك ؛ أي : حميتهم الحاملة على المخالفة .
واختلفوا فيمن مات من التعزير . فقال الشافعي : عَقْلُه على الإمام ، وعليه الكفارة . وقيل : على بيت المال .
وجمهور العلماء : على أنَّه لا شيء عليه .