باب الجبار الذي لا دية فيه
) باب الجبار الذي لا دية فيه ومن ظهرت براءته مما اتهم به لم يحبس ولم يعزر 2771 - [1800] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ . فَأَتَى عَلِيٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ : اخْرُجْ، فَنَاوَلَهُ يَدَهُ ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ . 1711 - [1801] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ .
( 12 ) ومن باب : الْجُبَار الذي لا دية فيه ( قوله : العجماء جرحها جبار ، والبئر جبار ، والمعدن جبار ، وفي الركاز الخمس ) هكذا جاء هذا الحديث بمجموع هذه الأمور . فظاهره : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكرها في وقت واحد متصلة مجموعة ، فيكون فيه حجَّة لمالك على أبي حنيفة : في أن الركاز ليس هو المعدن ؛ إذ قد عدل عن لفظ المعدن إلى اسم آخر في مساق واحد ، وذكره بعده . فلو كان الركاز هو المعدن لقال : والمعدن جُبار وفيه الخمس .
وكان يكون أيسر ، وأفصح ، وأبعد عن الإشكال ، بل لو ذكر لفظ المعدن نفسه بدل الرِّكاز فقال : وفي المعدن الخمس ؛ لكان مستقبحًا عند الفصحاء ، فإنَّه وضع الظاهر موضع المضمر من غير فائدة ، ولا تفخيم ، بل مع ما يجرُّه من اللَّبس . وهذا النوع من الكلام ركيك ، ويُجَلُّ كلام الشارع أن يحمل عليه . ويحتمل أن يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذه الأمور في أوقات مختلفة ، فجمعها الرَّاوي ، وساقها سياقة واحدة ، وحينئذ لا يكون فيه حجَّة على ما ذكرناه ، لكن الظاهر الأول ، والله تعالى أعلم .
و( الْجُبار ) : الذي لا قود فيه ، ولا دية ، ولا شيء . وهو بضم الجيم ، على وزن : غُرَاب . و( العجماء )- ممدودة ، مهموزة- : اسم جنس لجميع البهائم ، سُمِّيت بذلك لأنَّها لا تنطق .
فظاهر قوله : ( العَجْمَاء جرحها جُبار ) أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شيء ، وهذا مُجمعٌ عليه . فلو كان معها قائد ، أو سائق ، أو راكب ، فحملها أحدهم على شيء فأتلفته لزمه حكم الْمُتْلَف . فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص ، وكان الحمل عمدًا ؛ كان فيه القصاص .
ولا يختلف فيه ؛ لأنَّ الدَّابة كالآلة . وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة . وفي الأموال الغرامة في مال الجاني قصدًا كان أو غير قصد .
وهذا كلُّه لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى . واختلفوا فيما أصابته برجلها أو ذنبها . فلم يُضمِّن مالك ، والليث ، والأوزاعي صاحبها ، وضَمَّنه الشافعي ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة .
واختلفوا في الضَّارِيَة . فجمهورهم على أنَّها كغيرها . ومالك وبعض أصحابه يُضَمِّنُونَه .
واختلفوا فيما رعت المواشي . فضَمَّن مالك ربَّها ما أفسدته ليلًا دون ما أفسدته نهارًا . وبه قال الشافعي ، والجمهور .
ومعتمد التفرقة : أن على أرباب الحوائط والمراعي حفظها نهارًا ؛ إذ غالب المواشي أنَّها تسرح فيه ، ولا تنضبط ، وعلى أرباب المواشي حفظها بالليل ، فكأن رعي النهار تمكين من أرباب الزروع للماشية من الرَّعي ، ورَعْي الليل تسليط من أرباب المواشي على الرَّعي . وقال أبو حنيفة : لا ضمان فيما رعته المواشي ليلًا ولا نهارًا تمسُّكًا منه بالحديث . وهذا إنما يليق بأهل الظاهر لا بأبي حنيفة .
وقال الليث ، وسحنون : يضمن ما رعت نهارًا . و( قوله : والبئر جُبار ) يعني : إذا حفرها الإنسان في ملكه على الوجه الجائز . فلو حفرها في ملك غيره بغير إذنه ، أو في طريق فهلك فيها شيء ؛ ضمنه عند مالك ، والشافعي .
فإن هلك فيها إنسان كانت ديته على الجاني . وكذلك لو حفرها لسارق ؛ فهلك فيها . وقال الليث : لا دية فيه ولا ضمان .
وكذلك الحكم في المعدن . فلو انهار المعدن على العملة ؛ فإن كان ربُّ المعدن قد غرَّهم ؛ كانت دياتهم على عاقلته ، وإن لم يَغرَّهُم فهلكوا فيه ؛ لم يلزمه شيء ولا عاقلته . والركاز عند مالك هو : ما يوجد من دفين الجاهلية .
فخمسه لبيت مال المسلمين ، وأربعة أخماسه لواجده . وهل هذا حُكم كل ركاز . أو يختلف ذلك بحسب نوعه وأرضه ؟ فيه خلاف بين أصحابنا وغيرهم .
وكله مذكور في كتبهم . و( قوله في حديث أنس : أن رجلًا كان يُتهم بأمِّ ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) هذه مارية أمّ إبراهيم ، ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يزورها رجل قبطي ، فتكلم المنافقون في ذلك ، وشنَّعوا ، فأظهر الله براءتها بما ظهر من حال الرَّجل - وهذا نحو مِمَّا جرى لعائشة - رضي الله عنها - حتَّى برَّأها الله تعالى ، وأظهر من حال المرمي أنَّه حصور . كل ذلك مبالغةٌ في صيانة حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإظهار تكذيب من تَفَوَّهَ بشيء من ذلك .
و( قوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي : اذهب فاضرب عنقه ) في هذا اللفظ إشكال ، وهو : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كيف يأمر بضرب عنق هذا الرجل ولم يكن هناك موجبٌ للقتل ، وقد ظهر ذلك حين انكشف حال الرَّجل ؟ ويزول هذا الإشكال : بأن هذا الحديث رواه أبو بكر البزار ، فساق فيه أكمل من هذا ، وأوضح ، فقال فيه : عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : كثر على مارية في قبطي ابن عم لها كان يزورها ، ويختلف إليها ، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( خذ هذا السيف فانطلق ، فإن وجدته عندها فاقتله ) قال : قلت : يا رسول الله ! أكون في أمرك كالسِّكة المحماة ، لا يثنيني شيء ، حتى أمضي لما أمرتني ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال : ( بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ) ، وذكر الحديث بنحو ما تقدم . فهذا يدلّ على أن أمره بقتله إنَّما كان بشرط أن يجده عندها على حالة تقتضي قتله . ولما فَهِمَ عنه علي ذلك سأله ، فبيَّن له بيانًا شافيًا ، فزال ذلك الإشكال ، والحمد لله ذي الجلال .
ويحتمل أن يقال : إن ذلك خرج من النبي - صلى الله عليه وسلم - مخرج التغليظ والمبالغة في الزجر على موجب الغيرة الْجِبِلِّيَّة . والأول أليق وأسلم . والله بحقائق الأمور أعلم .
وفيه من الفقه : إعمال النظر ، والاجتهاد ، وترك الجمود على الظواهر ، وأنَّه يجوز الاطلاع على العورة عند الضرورة ، كتحمُّل شهادة الزنى ، كما صار إليه مالك .