حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب الاعتصام بحبل الله وأن الحاكم المجتهد له أجران في الإصابة

‎( ‎3 ) باب الاعتصام بحبل الله وأن الحاكم المجتهد له أجران في الإصابة وأجر في الخطأ 1715- ( 10 و 11 ) [1807] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا: فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ . وفي رواية : ويسخط لكم ثلاثا ، بدل : يكره . ( 3 ) ومن باب : الاعتصام بحبل الله ( قوله : إن الله يرضى لكم ثلاثًا ) أي : شرع هذه الثلاثة ، وأمر بها ، وجعلها سببًا لكل ما عنده من الكرامة في الدنيا والآخرة .

و( قوله : ويكره لكم ثلاثًا ) ، وفي الرواية الأخرى : ( سخط ) أي : نهى عنها وحرَّمها ، وجعلها سبب إهانته ، وعقوبته في الدنيا والآخرة . وهذا كما قاله تعالى : وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ هذا أولى ما قيل فيه . وقد تقدم القول على الرضا والسَّخط ، وعلى العبادة والشرك في الإيمان .

و( قوله : وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ) الاعتصام بالشيء : التمسُّك به ، والتحرز بسببه من الآفات . وأصل العصمة : المنع . تقول العرب : عصم فلانًا الطعام ؛ أي : منعه من الجوع ، وكنُّوا السَّويق بأبي عاصم لذلك ، فالمعتصم بالشيء يمتنع به من أسباب الهلاك والشدائد .

و( حبل الله ) هنا : شَرْعُهُ الذي شَرَعَهُ ، ودينه الذي ارتضاه . قال قتادة : هو القرآن . وهو بمعنى القول الأول .

والحبل ينصرف على وجوه : منها : العهد والوصل ، وما يُنْجَى به من المخاوف . ومنها : الأمان . وكلُّها متقاربة المعنى ؛ لأنَّ الحبل في الأصل : واحد الحبال التي تُرْبَط بها الآلات ، وتجمع بها المتفرقات ، ثمَّ استعير لكل ما يعول عليه ، ويتمسك به ، ثمَّ كثر استعماله في العهد ونحوه .

ومعنى هذا : أن الله تعالى أوجب علينا التمسُّك بكتابه ، وسُنَّة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، والرجوع إليهما عند الاختلاف . و( قوله : ولا تفرَّقوا ) أي : اجتمعوا على الاعتصام بالكتاب والسُّنة اعتقادًا ، وعملًا ، فتتفق كلمتكم ، وينتظم شتاتكم ، فتَتمّ لكم مصالح الدنيا والدِّين ، وتسلموا من الاختلاف والافتراق الذي حصل لأهل الكتابين . وفيه دليلٌ : على صحة الإجماع كما بيَّنَّاه في أصول الفقه .

و( قوله : وكره لكم : قيل وقال ) كلاهما مبني على الفتح ، فِعْل ماضٍ . هكذا الرواية التي لا يُعرف غيرها . ومعناه : أن الله تعالى حرَّم الخوض في الباطل ، وفيما لا يعني من الأقوال ، وحكايات أحوال الناس التي لا يسلم فاعلها من الغيبة ، والنميمة ، والبهتان ، والكذب .

و( من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه كانت النار أولى به ) . قال القاضي عياض : ( قيل ) منصوبة ، فعل ما لم يسم فاعله . و( قال ) : فعل ماض أيضًا .

ويصحُّ أن يكونا اسمين ، ويكونا مخفوضين . يعني : على رواية من رواه : ( نهى عن قيل وقال ) . ثم قال بعد هذا : والقيل ، والقال ، والقول : كلُّه بمعنى ، وكذلك القالة .

وهذا كلُّه صحيحٌ ؛ فإن مصدر ( قال ) يقال فيه ذلك كلُّه . و( قوله : وكثرة السؤال ) يحتمل أوجهًا : أحدها : أن يريد به كثرة سؤال الناس الأموال ، والحوائج إلحاحًا ، واستكثارًا . وثانيها : أن يكثر من المسائل الفقهية تنطُّعًا وتكلُّفًا فيما لم ينزل .

وقد كان السَّلف يكرهون ذلك ، ويرونه من التكلُّف . وقال مالك في هذا الحديث : لا أدري أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل ، فقد كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها ، أو هو : مسألة الناس أموالهم . وثالثها : أن يكثر من السؤال عمَّا لا يعنيه من أحوال النَّاس ، بحيث يُؤدِي ذلك إلى كشف عوراتهم ، والاطلاع على مساوئهم .

قلت : والوجه : حمل الحديث على عمومه ، فيتناول جميع تلك الوجوه كلِّها . ( وإضاعة المال ) : إتلافه وإهلاكه ، كما قد حكي عن بعض جُهَّال المتزهدة : أنَّه رمى مالًا كان عنده . وحرَّق آخر منهم كتب علم الحديث كانت عنده .

وربما أمر بهذا بعض الشيوخ الْجُهَّال . وهذا محرَّم بإجماع الفقهاء . ويلحق بإتلاف عينه منع صرفه في وجوهه من مصالح دنياه ودينه ، كما يفعله أهل البُّخل ، ودناءة الهمم ؛ يدَّخرون المال ، ويكثرونه ، ولا ينفعون نفوسهم بإنفاق شيء منه ، ولا يصونون به وجوههم ، ولا أديانهم .

فهذا الصنف هو المحروم الخاسر ؛ الذي قال فيه الشاعر : رزقت مالًا ولم ترزق منافعه إنَّ الشقي هو المحروم ما رُزِقا وأشدُّ من هذا كلِّه قبحًا وإثْمًا من يتلف ماله في معاصي الله تعالى ، فيستعين بمال الله على معاصيه ، ويخرجه في شهواته المحرمة ، ولا يباليه ، ويدخل في عموم النهي عن إضاعة المال القليل منه والكثير ، لأن المال هنا : هو كلُّ ما يُتَمَوَّل ؛ أي : يُتَملَّك ؛ حتى لو رمى بثمن درهم في البحر مثلًا لكان ذلك محرمًا . وكذلك لو منعه من صرفه في وجهه الواجب ، وكذلك لو أنفقه في معصية الله . ولا خلاف في هذا إن شاء الله .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث