باب ما جاء في أن الضب والفأر يتوقع أن يكونا مما مسخ
قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقُلْنَا: عَاوِدْهُ، فَعَاوَدَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثَلَاثًا، ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ - أَوْ غَضِبَ - عَلَى سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ يَدِبُّونَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا، فَلَسْتُ آكُلُهَا وَلَا أَنْهَى عَنْهَا . و( قول الأعرابي : في غائطٍ مَضَبَّة ) ، الغائط : المنخفض من الأرض ، و( مضبَّة ) أي : ذات ضِباب كثيرة ، وهي بفتح الميم والضاد ، كقولهم : أرض مَسْبَعة ، ومأسدة ؛ أي : كثيرةُ ذلك . قال سيبويه : مَفْعَلَة - بالهاء والفتح - للتكثير ، وقد حكى غيره في مَضَبَّة : كسر الميم والضاد ، والأول المعروف .
و( السَّبْط ) : واحد الأسباط ، وهم كالقبائل في العرب . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله لعن - أو : غضب - على سبط من بني إسرائيل ، فمسخهم دوابَّ يَدِبُّون ، ولا أدري لعل هذا منها ) هذا منه - صلى الله عليه وسلم - تَوقُّعٌ ، وخوف لأن يكون الضَّبُّ من نسل ما مسخ من الأمم . ومثله ما ذكره في الفأرة لما قال : ( فُقِدت أمَّة من بني إسرائيل لا أدري ما فَعَلت ، ولا أراها إلا الفأر ) كان هذا منه - صلى الله عليه وسلم - ظنًّا ، وحدسا قبل أن يوحى إليه : ( إن الله تعالى لم يجعل لمسخٍ نسلًا ) .
فلما أوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوُّف ، وعلم أن الضَّبَّ والفأر ليسا من نسل ما مُسِخ . وعند ذلك أخبرنا بقوله : ( إن الله لم يجعل لمسخٍ نسلًا ) . وقد تقدَّمت النصوص بإباحة أكل الضَّبِّ ، وأما الفأر : فلا يأكل ، لا لأنه مسخ ، بل لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استخبثه ، كما قد استخبث الوزغ ، وأمر بقتله ، وسَمَّاه : فويسقًا .
وإذا ثبت ذلك فقد تناوله قوله تعالى : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ فيكون أكلها حرامًا . وأما الْهِرَّ : فقد تناوله عموم تحريم كل ذي ناب . فإنَّه من ذوات الأنياب على ما تقدم .
وقد جاء فيه حديث صحيح ذكره أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الْهِرِّ ، وأكل ثمنه .