باب تحريم الخمر
[1864] وعنه : لقد أنزل الله الآية التي حرم الله فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر . و( قول أنس : لقد أنزل الله الآية التي حرَّم فيها الخمر ) يعني بها : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ وهي نصٌّ في تحريم الخمر بمجموع كلماتها ، لا بآحادها . وقد فَهِم منها التحريم قطعًا الصَّحابة ، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه - عند سماع : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ انتهينا ، انتهينا .
وقد سبق : أن الخمر : كل ما يخامر العقل . والميسر : القِمار ، وهو لعب يُؤكل به مال الغير بحيث لا يحصل له به لا أجر ، ولا شكر . ومنه : النرد ، والشطرنج .
حكي ذلك عن عثمان ومجاهد . والأنصاب : كل ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى ، ويذبح عنده ، كما كانت الجاهلية تفعل ، والأزلام : قداح يضربون بها عند العزم على الأمر ، في بعضها : افعل . وفي بعضها : لا تفعل .
وبعضها لا شيء فيه . فإذا خرج هذا ؛ أعادوا الضرب . وقيل : كان في أحدهما : أمرني ربي ، وفي الأخرى : نهاني ربي .
والرجس : النجس ، وهو المستخبث شرعًا . و( قوله : مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ؛ أي : يَحْمِلُ عليه ، ويُزَيِّنُه . وقيل : هو الذي كان عمل مبادي هذه الأمور بنفسه حتى اقتدي به فيها .
والْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ : معروفان . وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ : يصرفكم عنهما ، فيُذهب العقل ، ويُضيِّع الوقت . ويُفهم من هذه الآية أيضًا : الحكم بتنجيس الخمر .
وهو مذهب كافة علماء السَّلف والخلف إلا شذوذًا . وإليه ذهب ربيعة ، وحكي عن الليث ، والمزني . ووجه التمسك بها على التَّنجيس : أن الله تعالى قد أخبر عنها أنها رجس ، والرجس : النجس القذر ، فتنجس .
وأيضًا : فلما غلَّظ تحريمها ، وأخبر بالمفاسد النَّاشئة عنها اقتضى ذلك الزجر عنها مطلقًا ، مبالغة في التحريم ، كما فعل في الخنزير ، والدم ، وغير ذلك من الخبائث المحرمات . ويتحرَّر القياس بأن يقال : مستخبث شرعًا حرم شربه ، فيكون نجسًا كالبول . وفي الآية مباحث كثيرة ، سنكتب فيها إن شاء الله تعالى جزءًا مفردًا .
و( قوله : قال بعضهم : قُتِل فلان ، قُتِل فلان ، وهي في بطونهم ) هذا القول أصدره عن قائله إما غلبة خوف وشفقة ، وإما غفلة عن المعنى . وبيان ذلك : أن الخمر كانت مباحة لهم ، كما قد صحَّ أنهم كانوا يشربونها ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يُقرّهم عليها . وهو ظاهر قوله تعالى : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ، ولا عليه شيء ، لا إثم ، ولا مؤاخذة ، ولا ذمٌّ ، ولا أجر ، ولا مدح ؛ لأنَّ المباح مستوي الطرفين بالنسبة للشرع كما يعرف في الأصول .
وعلى هذا : فما ينبغي أن يُتخوَّف ولا يُسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها ، فإمَّا أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة ، فلم يخطر له ، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى ، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهَّم مؤاخذة ، ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدِّم ، فإنَّ الشفيقَ بسوءِ الظنِّ مولعٌ ، فرفع الله ذلك التوهُّم بقوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ؛ أي : فيما شربوا . وهذا مثل قوله تعالى في نَهْر طالوت : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ؛ أي : ومن لم يشربه . وأصل هذا اللفظ في الأكل .
يُقال : طَعِمَ الطَّعام ، وشَرِب الشراب . لكن قد تجوَّز في ذلك . وأحسن ما قيل في الآية : إن معنى قوله : طَعِمُوا شربوا الخمر قبل تحريمها ، إِذَا مَا اتَّقَوْا شربها بعده ، وَآمَنُوا بتحريمها ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ التي تَصدُّ عنها ، ثُمَّ اتَّقَوْا داوموا على اجتنابها ، وَآمَنُوا بالوعيد عليها ، ثُمَّ اتَّقَوْا سوء التأويل في تحريمها ، وَأَحْسَنُوا في اجتنابها مراقبة الله .
وقيل : إنَّ تكرار الاتقاء في مقابلة دواعي النفس ، وتكرار الإيمان تذكير بتحريمها ، وتشديد الوعيد فيها . و( الجناح ) : الإثم والمؤاخذة .