باب شرب اللبن وتناوله من أيدي الرعاء من غير بحث عن كونهم مالكين
( 92 ) [1891] وعن أَبي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ . و( إيلياء ) : هي بيت المقدس ، وهو ممدود بهمزة التأنيث ، ولذلك لا ينصرف . و( قول جبريل - عليه السلام - : الحمد لله الذي هداك للفطرة ) يعني بها : فطرة دين الإسلام ، كما قال تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ثم قال : ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وقيل : جعل الله ذلك علامة لجبريل على هداية هذه الأمة ؛ لأنَّ اللَّبن أول ما يغتذيه الإنسان .
وهو قوت خلي عن المفاسد ، به قوام الأجسام ، ولذلك آثره - صلى الله عليه وسلم - على الخمر ، كما ذكرناه في الإسراء . ودين الإسلام كذلك ، هو أوَّل ما أخذ على بني آدم ، وهم كالذَّرِّ ، ثم هو قوت الأرواح ، به قوامها ، وحياتها الأبدية ، وصار اللبن عبارة مطابقة لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته ، والخمر على النقيض من ذلك في جميع جهاتها ، فكان العدول إليه لو كان ووقع علامة على الغواية . وقد أعاذ الله من ذلك نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - طبعًا وشرعًا .
والحمد لله تعالى . ويفهم من نسبة الغواية إلى الخمر تحريمه ، لكن ليس بصريح ، ولذلك لم يَكْتَفِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك في التحريم حتَّى قَدِم المدينة فشربوها زمانًا ، حتَّى أنزل الله التحريم .