باب النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة
( 21 ) باب النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة 2065- [1951] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إن الَّذِي يأكل أو يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذهب والْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ . 2067- ( 4 و 5 ) [1952] وعن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي لَيْلَى قَالَ: اسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا . وفي رواية : وهي لكم في الآخرة .
ج٥ / ص٣٤٥( 21 ) ومن باب : النَّهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ) يروى برفع : نار ، ونصبه . فمن رفع حمل ( يجرجر ) على : يصوِّت . والجرجرة : الصوت الضعيف المتراجع ، كصوت حركة اللِّجام في فم الفرس .
يقال : جرجر الفرس : إذا حرَّك فمه باللجام . ومن نصبه حمله على معنى : يتجرع . وهذا الحديث دليلٌ على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب ، ويلحق بهما ما في معناهما مثل : التطيب ، والتكحل ، وما شابه ذلك .
وبتحريم ذلك قال جمهور العلماء سلفًا وخلفًا . وروي عن بعض السلف إباحة ذلك . وهو خلاف شاذٌّ مطرح للأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا الباب .
ثم اختلف العلماء في تعليل المنع . فقيل : إن التحريم راجع إلى عينهما . وهذا يشهد له قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( هي لهم في الدنيا ، ولنا في الآخرة ) .
وقيل : ذلك معلل بكونهما رؤوس الأثمان ، وقيم المتلفات ؛ فإذا اتخذ منهما الأواني قلت في أيدي الناس ، فيجحف ذلك بهم . وهذا كما حُرّم فيهما ربا الفضل . وقد حسَّن الغزالي هذا المعنى ، فقال : إنهما في الوجود كالحكام الذين حقهم أن يتصرفوا في الأقطار ليظهروا العدل ، فلو منعوا من التصرُّف والخروج للناس لأخل ذلك بهم ، ولم يحصل عدل في الوجود .
وصياغة الأواني من الذهب والفضة حبس لهما عن ج٥ / ص٣٤٦التصرُّف الذي ينتفع به الناس . وقيل : إن ذلك معلل بالسَّرف ، والتشبُّه بالأعاجم . قلت : وهذا التعليل ليس بشيء ؛ لأنَّه يلزم عليه أن يكون اتخاذ تلك الأواني ، واستعمالها مكروهًا ؛ لأنَّ غاية السَّرف والتشبه بالأعاجم أن يكون مكروها ، والتهديد الذي اشتمل عليه الحديث المتقدِّم مفيدٌ للتحريم لا للكراهة .
وكل ما ذكرناه من التحريم إنما هو في الاستعمال ، وأما اتخاذ الأواني من الذهب والفضة من غير استعمال : فمذهبنا ، ومذهب جمهور العلماء : أن ذلك لا يجوز . وذهبت طائفة من العلماء : إلى جواز اتخاذها دون استعمالها . وفائدة هذا الخلاف بناء الخلاف عليه في قيمة ما أفسد منها ، وجواز الاستئجار على عملها ، فمن جوَّز الاتخاذ ، قوَّم الصياغة على مفسدها ، وجوَّز أخذ الأجرة عليها .
ومن منع الاتخاذ ؛ منع هذين الفرعين . فأمَّا ما ضبب من الأواني بذهب ، أو فضة ، أو كانت فيه حلقة من ذهب أو فضة : فذهب الجمهور إلى كراهة استعمال ذلك ، وأجازه أبو حنيفة ، وأصحابه ، وأحمد ، وإسحاق إذا لم يجعل فمه على التضبيب ، أو الحلقة . وروي أيضًا مثله عن بعض السلف .
قالوا : وهو كالعلم في الثوب ، والخاتم في اليد يشرب به . وقد استحب بعض العلماء الحلقة دون التضبيب .