باب ما جاء في صبغ الشعر والنهي عن تسويده والتزعفر
) باب ما جاء في صبغ الشعر والنهي عن تسويده والتزعفر ( 2102 ) ( 79 ) - [2012] عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَيِّرُوا هَذَا الشيب ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ . ( 2103 ) - [2013] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ . ( 2101 ) - [2014] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ .
( 14 ) ومن باب صبغ الشعر والنهي عن تسويده قوله : ( أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ) أبو قحافة : هو والد أبي بكر الصديق ، واسمه : عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم ، أسلم يوم فتح مكة ، وله صحبة ، ومات في المحرَّم سنة أربع عشرة من الهجرة ، وهو ابن سبع وتسعين سنة بعد وفاة ابنه أبي بكر بأشهر . و ( الثغامة ) : نبت أبيض الزهر والثمر ، شبَّه بياض الشيب به . قاله أبو عبيد .
وقال ابن الأعرابي : هو شجرة تبيض كأنَّها الثلجة . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( غيِّروا هذا الشيب ) أمر بتغيير الشيب . قال به جماعة من الخلفاء ، والصحابة ، لكن لم يصر أحدٌ إلى أنه على الوجوب ، وإنما هو مستحب .
وقد رأى بعضهم : أن ترك الخضاب أفضل ، وبقاء الشيب أولى من تغييره ؛ متمسكين في ذلك بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تغيير الشيب على ما ذكروه ، وبأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يغير شيبه ، ولا اختضب . قلت : وهذا القول ليس بشيء . أما الحديث الذي ذكروه : فليس بمعروف ، ولو كان معروفًا فلا يبلغ في الصحَّة إلى هذا الحديث .
وأما قولهم : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخضب فليس بصحيح ، بل قد صحَّ عنه أنه خضب بالحناء وبالصفرة على ما مضى . ويأتي إن شاء الله تعالى . و ( قوله : واجتنبوا السواد ) أمر باجتناب السواد ، وكرهه جماعة منهم علي بن أبي طالب ، ومالك .
قلت : وهو الظاهر من هذا الحديث . وقد عُلِّل ذلك : بأنه من باب التدليس على النساء ، وبأنه سوادٌ في الوجه فيكره ؛ لأنه تشبه بسيما أهل النار . وقد روى أبو داود : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يكون في آخر الزمان قوم يصبغون بالسواد ، لا يدخلون الجنة ، ولا يجدون ريحها ) غير أنه لم يسمع أن أحدًا من العلماء قال بتحريم ذلك ، بل قد روي عن جماعة كثيرة من السلف : أنهم كانوا يصبغون بالسواد ، منهم : عمر ، وعثمان ، والحسن ، والحسين ، وعقبة بن عامر ، ومحمد بن علي ، وعلي بن عبد الله بن عباس ، وعروة بن الزبير ، وابن سيرين ، وأبو بُردة في آخرين .
وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال : هو أشكر للزوجة ، وأرهب للعدو . قلت : ولا أدري عذر هؤلاء عن حديث أبي قحافة ما هو ؟ فأقل درجاته : الكراهة . كما ذهب إليه مالك .
قلت : وأما الصباغ بالحنَّاء بحتًا ، وبالحناء والكتم : فلا ينبغي أن يختلف فيه لصحة الأحاديث بذلك ، غير أنه قد قال بعض العلماء : إن الأمر في ذلك محمول على حالين : أحدهما : عادة البلد ؛ فمن كانت عادة موضعه ترك الصبغ فخروجه عن المعتاد شهرة تقبَّحُ وتُكره . وثانيهما : اختلاف حال الناس في شيبهم ، فَرُبَّ شيبة نقية هي أجمل بيضاء منها مصبوغة ، وبالعكس ، فمن قبحه الخضاب اجتنبه . ومن حسَّنه استعمله .
وللخضاب فائدتان : إحداهما : تنظيف الشعر مما يتعلق به من الغبار ، والدخان . والأخرى : مخالفة أهل الكتاب ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( خالفوا اليهود والنصارى ، فإنهم لا يصبغون ) . قلت : ولكن هذا الصباغ بغير السواد ، تمسُّكًا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اجتنبوا السواد ) والله تعالى أعلم .
وقد تقدَّم الكلام على النهي عن التزعفر ، وسيأتي القول في مخالفة أهل الكتاب .