حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب كراهية الستر فيه تماثيل وهتكه وجعله وسائد

) باب كراهية الستر فيه تماثيل وهتكه وجعله وسائد وكراهية كسوة الجدر ( 2106 ) ( 87 ) و ( 2107 ) - [2018] عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صورة تَمَاثِيلَ . قَالَ : فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ : فَهَلْ سَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ : لَا ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكُمْ مَا رَأَيْتُهُ فَعَلَ ، رَأَيْتُهُ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ ، فَأَخَذْتُ نَمَطًا فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْبَابِ ، فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ ، فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ أَوْ قَطَعَهُ ، وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ . قَالَتْ : فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ وَحَشَوْتُهُمَا لِيفًا ، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ .

وفي رواية : قالت عائشة : فكان يرتفق عليهما . ( 16 ) ومن باب كراهة الستر الذي فيه التماثيل وهتكه حديث عائشة كثرت رواياته ، واختلفت ألفاظه حتى يتوهم : أنه مضطرب ، وليس كذلك ؛ لأنَّه ليس فيه تناقض ، وإنَّما كانت القضية مشتملة على كل ما نقل من الكلمات ، والأحوال المختلفة ، لكن نقل بعض الرواة ما سكت عنه غيرهم ، وعبَّر كل منهم بما تيسَّر له من العبارة عن تلك القضية . ويجوز أن يصدر مثل ذلك الاختلاف من راوٍ واحد في أوقات مختلفة ، ولا يُعد تناقضًا ، فإنَّه إذا جمعت تلك الروايات كلها ؛ انتظمت وكملت الحكاية عن تلك القضية .

وعلى هذا النحو وقع ذكر اختلاف كلمات القصص المتحدة في القرآن ، فإنَّه تعالى يذكرها في مواضع وجيزة ، وفي آخر مطوَّلة ، ويأتي بالكلمات المختلفة الألفاظ مع اتفاقها على المعنى ، فلا ينكر مثل هذا في الأحاديث . وقولها : ( فأخذت نمطًا فسترته على الباب ) هذا النمط هو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى بـ ( الدَّرنوك ) ويقال بضم الدَّال ، وفتحها ، وهو : الستر الذي كان فيه تماثيل الخيل ذوات الأجنحة . و ( الباب ) يراد به هنا : باب السهوة المذكورة في الرِّواية الأخرى ، وهي : بيت صغير يشبه المخدع .

وقال الأصمعي : هي شبه الطاق ، يجعل فيه الشيء . وقيل : شبه الخزانة الصغيرة . وهذه الأقوال متقاربة .

وقولها : ( سترته على الباب ) أي : سترت به الباب . أو جعلته سترا على الباب . وقولها : ( فلما رأى النمط عرفت الكراهية في وجهه ) إنما عرفت الكراهية في وجهه ؛ لأنَّه تلوَّن وجهه ، ووقف ولم يدخل ، كما جاء في الطريق الآخر .

ولما رأت تلك الحال خافت ، فقدَّمت في اعتذارها التوبة ، ثمَّ سألت عن الذنب ، فإنَّها لم تعرفه ، فعند ذلك جبذ النمط ، فهتكه ، فحصل من مجموع هذه القرائن : أن اتخاذ الثياب التي فيها التماثيل محرَّم ، رقمًا كان فيها ، أو صبغا . وهو مذهب ابن شهاب ، فإنَّه منع الصور على العموم واستعمال ما هي فيه ، ودخول البيت الذي هي فيه ، رقمًا كانت أو غيره ، في ثوب ، أو حائط ، يمتهن ، أو لا يمتهن ؛ تمسُّكًا بعمومات هذا الباب ، وبما ظهر من هذا الحديث . وذهب آخرون : إلى جواز كل ما كان رقمًا في ثوب ، يمتهن أو لا .

معلقًا كان أو لا . وهو مذهب القاسم بن محمد تمسُّكًا بحديث زيد بن خالد حين قال : ( إلا ما كان رقما في ثوب ) وذهب آخرون : إلى كراهة ما كان منها معلَّقًا ، وغير ممتهن ؛ لأنَّ ذلك مضاهاة لمن يعظم الصور ، ويعبدها كالنصارى ، وكما كانت الجاهلية تفعل . والحاصل من مذاهب العلماء في الصور : أن كل ما كان منها ذا ظل ، فصنعته ، واتخاذه حرام ، ومنكر يجب تغييره .

ولا يختلف في ذلك إلا ما ورد في لعب البنات لصغار البنات ، وفيما لا يبقى من الصور ، كصور الفخار ، ففي كل واحد منهما قولان ، غير أن المشهور في لعب البنات ، جواز اتخاذها للرخصة في ذلك ، لكن كره مالك شراء الرجل لها لأولاده ؛ لأنَّه ليس من أخلاق أهل المروءات والفضل ، غير أن المشهور فيما لا يبقى : المنع . وأما ما كان رقمًا ، أو صبغًا مما ليس له ظل : فالمشهور فيه الكراهة . وقولها : ( فجذبه حتى هتكه ) يدل على أن ما صنع على غير الوجه المشروع لا مالية له ، ولا حرمة ، وأن من كسر شيئًا منها ، وأتلف تلك الصورة لم يلزمه ضمان .

و ( قوله : إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين ) يفهم منه : كراهة ستر الحيطان بالستر ؛ لأنَّ ذلك من السَّرف ، وفضول زهرة الدنيا ؛ التي نهى الله تعالى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يمد عينيه إليها بقوله تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ولذلك قال في الرواية الأخرى : ( فإني كلما دخلت ذكرت الدنيا ) وهذا الستر هو الذي كان يصلِّي إليه ، وكانت صوره تعرض في صلاته ، كما قال البخاري : ( فإنَّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي ) . ويفيد مجموع هذه الروايات : أن هتك هذا السِّتر إنما كان بعد تكرار دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - ورؤيته له ، وصلاته إليه ، فلما بين له حكمه امتنع مرَّة من دخول البيت حتى هتكه . وقد فعل سلمان الفارسي - رضي الله عنه - نحو هذا لما تزوَّج الكندية ، وجاء ليدخل بها ، فوجد حيطان البيت قد سترت ، فلم يدخل ، وقال منكرًا لذلك : ( أمحموم بيتكم ! أم تحوَّلت الكعبة في كندة ) فأزيل كل ذلك .

ودعا ابن عمر أبا أيوب ، فرأى سترًا على الجدار . فقال : ما هذا ؟ فقال : غلبنا عليه النساء ، فقال : من كنت أخشى عليه ، فلم أكن أخشى عليك ، والله لا أطعم لك طعامًا ! فرجع . ذكره البخاري .

وقد أفاد حديث عائشة رضي الله عنها المنع من ستر حيطان البيوت ، ومما يجر إلى الميل إلى زينة الدنيا ، ومن اتخاذ الصور المرقومة ، ومن الصلاة إلى ما يشغل عنها . وقول عائشة : ( فقطعنا منه وسادتين حشوتهما ليفًا ) يحتمل أن يكون هذا التقطيع أزال شكل تلك الصور ، وأبطلها ، فيزول الموجب للمنع ، ويحتمل أن تكون تلك الصور ، أو بعضها باقيًا ، لكنها لما امتهنت بالقعود عليها سامح فيها . وقد ذهب إلى كل احتمال منهما طائفة من العلماء .

والحق : أن كل ذلك محتمل ، وليس أحد الاحتمالين بأولى من الآخر ، ولا معيِّن لأحدهما ، فلا حجَّة في الحديث على واحد منهما ، وإنما الذي يفيده هذا الحديث : جواز اتخاذ النَّمارق ، والوسائد في البيوت . وقول عائشة : ( أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير ) يجوز أن تكون أرادت بالنمرقة هنا : الستر الذي تقدَّم ذكره ، وسمته : نمرقة ؛ لأنَّه آل أمره إلى النمرقة ، كما يُسمى العنب خمرًا بمآله . والنَّمارق في أصل الوضع : الوسائد ، والمرافق ، ومنه قوله تعالى : وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ .

وقال الشاعر : كهول وشبان حسان وجوههم على سرر مصفوفة ونمارق غير أن هذا التأويل يبعده قولها في بقية الخبر ، لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما بال هذه النَّمرقة ؟ ) فقالت مجيبة : اشتريتها لك ، تقعد عليها ، وتوسدها . فهذا يصرح بأن هذه النَّمرقة غير الستر ، وأن هذا حديث آخر غير ذلك ، وحينئذ يستفاد منه : أن الصور لا يجوز اتخاذها في الثياب ، وإن كانت ممتهنة . وهو أحد القولين كما قدمناه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث