باب قوله عليه الصلاة والسلام تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي
( 2133 ) ( 3 و 4 و 5 ) - [2044] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا ، فَقُلْنَا : لَا نَكْنيكَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَسْتَأْمِرَهُ . قَالَ : فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّهُ وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ، وَإِنَّ قَوْمِي أَبَوْا أَنْ يَكْنُونِي بِهِ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّه . ِفَقَالَ : تسَمَّوْا بِاسْمِي ، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ .
وفي رواية : فإني أنا أبو القاسم أقسم بينكم . ( 2133 ) ( 6 ) - [2045] وعنه : أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : أَحْسَنَتْ الْأَنْصَارُ ، سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي . ( 2133 ) ( 7 ) - [2046] وعنه : وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ ؛ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ ، فَقُلْنَا : لَا نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ ، وَلَا نُنْعِمُكَ عَيْنًا .
فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : أَسْمِ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ . وأما حديث جابر فيقتضي : أن النهي عن ذلك إنما كان لأن ذلك الاسم لا يصدق على غيره صدقه عليه ، ولذلك قال متصلًا بقوله : ( تسمَّوا باسمي ، ولا تكتنوا بكنيتي ، فإني أنا أبو القاسم أقسم بينكم ) وفي الرواية الأخرى : ( فإنما بعثت إليكم قاسِمًا ) يعني : أنه هو الذي يبين قسم الأموال في المواريث ، والغنائم ، والزكوات ، والفيء ، وغير ذلك من المقادير ، فيُبلِّغ عن الله حكمه ، ويبيِّن قسمه . وليس ذلك لأحدٍ ، إلا له ، فلا يطلق هذا الاسم في الحقيقة إلا عليه .
وعلى هذا التأويل الثاني : فلا يكتني أحدٌ بأبي القاسم ، لا في حياته ، ولا بعد موته . وإلى هذا ذهب بعض السَّلف ، وأهل الظاهر ، وزادت طائفة أخرى من السَّلف منع التسمية بالقاسم ؛ لئلا يكنى أبوه بأبي القاسم . وذهبت طائفة ثالثة من السلف أيضًا : إلى أن الممنوع إنما هو الجمع بين اسمه وكنيته .
واستدلوا على ذلك بما
رواه الترمذي عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يجمع أحدٌ بين اسمه وكنيته ، ويسمِّي محمدًا أبا القاسم ) قال : حديث حسن صحيح. وعلى هذا ج٥ / ص٤٥٨فيجوز أن يكتني بأبي القاسم من لم يكن اسمه محمدًا . وذهب الجمهور من السلف والخلف ، وفقهاء الأمصار : إلى جواز كل ذلك ، فله أن يجمع بين اسمه وكنيته ، وله أن يسمي بما شاء من الاسم والكنية بناء على أن كل ما تقدَّم إما منسوخ ، وإما مخصوص به - صلى الله عليه وسلم - واحتجوا على ذلك
بما رواه الترمذي وصححه من - رضي الله عنه -، وبما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ! إني ولدتُ غلامًا فسميته : محمدًا ، وكنيته بأبي القاسم ، فذكر لي أنك تكره ذلك .
فقال : ( ما الذي أحل اسمي وحرَّم كُنيتي ؟ ! ) أو : ( ما الذي حرم كُنيتي وأحل اسمي ؟ ! ) ويتأيَّد النَّسخ بما ثبت : أن جماعة كثيرة من السَّلف وغيرهم سمُّوا أولادهم باسمه ، وكنّوهم بكنيته جمعًا وتفريقًا . وكأن هذا كان أمرًا معروفًا معمولًا به في المدينة وغيرها . فقد صارت أحاديث الإباحة أولى ؛ لأنَّها : إما ناسخة لأحاديث المنع ، وإما مرجحة بالعمل المذكور ، والله تعالى أعلم .
وقد شذَّت طائفة فمنعوا التسمية بمحمد جملة متمسكين بذلك بما يروى عن ج٥ / ص٤٥٩النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( تسمُّون أولادكم محمدًا ، ثم تلعنونهم ) وبما كتب عمر - رضي الله عنه - إلى الكوفة من قوله : ( لا تسمُّوا أحدًا باسم نبي ) وبأمره جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم محمدًا ، ولا حجَّة في شيء من ذلك . أما الحديث : فغير معروف عند أهل النقل ، وعلى تسليمه فمقتضاه النهي عن لعن من اسمه محمد ، لا عن التسمية به . وقد قدَّمنا النصوص الدالة على إباحة التسمية بذلك ، بل : قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة تدلُّ على الترغيب ، في التسمية بمحمد ؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما ضرَّ أحدكم أن يكون في بيته محمد ، ومحمدان ) وكقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما اجتمع قوم في مشورة فيهم رجل اسمه محمد فلم يدخلوه فيها إلا لم يبارك لهم فيها ) ومثله كثير .
وأما أمر عمر - رضي الله عنه - : فكان بسبب : أنه سمع رجلًا يقول لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب : فعل الله بك يا محمد ، وصنع بك . فدعا عمر به ، وقال : ألا أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسبُّ بك ! والله ! لا تدعى ج٥ / ص٤٦٠محمدًا أبدًا ، وعند ذلك - والله تعالى أعلم - كتب لأهل الكوفة ، وأمر أهل المدينة بما سبق ، ثم إنه ذكر له جماعة سمَّاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك . فترك الناس من ذلك .
تنبيه : الأصل في الكناية أن يكون للرجل ابن فيُكنى باسم ابنه ذلك ، ولذلك كني النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي القاسم ، فإنَّه كان له ولدٌ يسمى : القاسم من خديجة رضي الله عنها ، وكأنه كان أوَّل ذكور أولاده . وعلى هذا : فلا ينبغي أن لا يكنى أحدٌ حتى يكون له ولدٌ يُكنى باسمه ، لكن : قد أجاز العلماء خلاف هذا الأصل ، فكنَّوا من ليس له ولدٌ ، لحديث عائشة رضي الله عنها ؛ أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : كلُّ صواحباتي لهن كنى ، وليس لي كنية ، فقال : ( اكتني بابن أختك عبد الله ) فكانت تكتني بأمِّ عبد الله . وقد كنَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصغير ، فقال : ( يا أبا عمير ! ما فعل النُّغير ) وقد قال عمر - رضي الله عنه - : عجلوا بكنى أبنائكم وأولادكم ؛ لا تسرع إليهم ألقاب السَّوء .