باب الاستئذان وكيفيته وعدده
) باب الاستئذان وكيفيته وعدده ( 2153 ) ( 33 ) - [2060] عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قال : كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ ، فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا - أَوْ مَذْعُورًا - ، قُلْنَا : مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ : إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا ؟ فَقُلْتُ : إِنِّي أَتَيْتُكَ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا فَلَمْ ترد عَلَيَّ فَرَجَعْتُ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ . فَقَالَ عُمَرُ : أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ ، وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ . فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ .
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : قُلْتُ : أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ ، قَالَ : فَاذْهَبْ بِهِ . ( 7 ) ومن باب : الاستئذان وكيفيته وعدده قوله في هذه الرواية : ( فسلمت ثلاثًا ) ليس مناقضًا لقوله في الأخرى : إنه استأذن ثلاثًا ؛ لأنَّ أبا موسى - رضي الله عنه - كان قد جمع بين السلام والاستئذان ثلاثًا ، كما قد جاء منصوصًا عليه في الرواية الثالثة . وحاصل هذه الأحاديث : أن دخول منزل الغير ممنوع ؛ كان ذلك الغير فيها أو لم يكن ، إلا بعد الإذن .
وهذا الذي نصَّ الله تعالى عليه بقوله : لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ثم قال بعد ذلك : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا وهذا لا بدَّ منه ؛ لأنَّ دخول منزل الغير تصرُّف في ملكه ، ولا يجوز بغير إذنه ؛ لأنَّه يطلع منه على ما لا يجوز الاطلاع عليه من عورات البيوت ، فكانت هذه المصلحة في أعلى رتبة المصالح الحاجيَّة . ولما تقرَّر هذا شرعًا عند أبي موسى استأذن أبو موسى على عمر - رضي الله عنهما - ، ولما كان عنده علم بكيفية الاستئذان وعدده : عمل على ما كان عنده من ذلك . فلما لم يؤذن له : رجع .
وأما عمر - رضي الله عنه - فكان عنده علم بالاستئذان ، ولم يكن عنده علم من العدد ، فلذلك أنكره على أبي موسى إنكار مستبعد من نفسه أن يخفى عليه ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ملازمته النبي - صلى الله عليه وسلم - حضرًا وسفرًا ملازمة لم تكن لأبي موسى ولا لغيره ، وإنكار من يسد باب الذريعة في التقوُّل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك أغلظ على أبي موسى بقوله : أقم عليه البينة ، وإلا أوجعتك ، ولأجعلنك عظة . فلما أتاه بالبينة قال : إنما أحببت أن أتثبت . وفي هذا الحديث أبواب من الفقه ؛ فمنها : أن لا بد أن يكون ثلاثًا ، فإذا لم يؤذن له بعد الثلاث ؛ فهل يزيد عليها أو لا ؟ قولان لأصحابنا .
الأولى أن لا يزيد ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الاستئذان ثلاث ، فإن أذن لك ، وإلا فارجع ) وهذا نصٌّ . وإنَّما خصَّ الثلاث بالذكر ؛ لأنَّ الغالب أن الكلام إذا كُرر ثلاثًا سمع وفهم . ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه ، وإذا سلَّم على قومٍ سلَّم عليهم ثلاثًا .
وإذا كان الغالبُ هذا ، فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث ظهر أن ربَّ المنزل لا يريد الإذن ، أو لعله يمنعه من الجواب عذر لا يمكنه قطعه . فينبغي للمستأذن أن ينصرف ، لأن الزيادة على ذلك قد تقلق ربَّ المنزل ، وربما يضرُّه الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشتغلًا به ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي أيوب - رضي الله عنه - حين استأذن عليه ، فخرج مستعجلًا فقال : ( لعلنا أعجلناك ) . ومنها : قبول أخبار الآحاد ، ووجوب التثبُّت فيها ، والبحث عن عدالة ناقليها ؛ لأنَّ أبا موسى لما أخبر عمر - رضي الله عنهما - بأن أُبي بن كعب يشهد له قال : عَدْلٌ .
ومنها : حماية الأئمة حوزة الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والإنكار على من تعاطاها إلا بعد ثبوت الأهليَّة وتحققها . ومنها : أن المستأذن حقَّه أن يبدأ بالسلام ، ثم يذكر اسمه ، وإن كانت له كنى يُعرف بها ذكرها ، كما فعل أبو موسى ، وكل ذلك ينبغي في تحصيل التعريف التام للمستأذن عليه ؛ فإنَّه إن أُشكل عليه اسم عرف آخر . وقال بعض أصحابنا : هو بالخيار بين أن يُسمي نفسه أو لا ، والأولى ما فعله أبو موسى ، فإنَّ فعله ذلك إن كان توقيفًا ؛ فهو المطلوب .
وإن لم يكن توقيفًا ؛ فبه يحصل التعريف الذي لأجله شرع الاستئذان ، ثم رأي الصحابي راوي الحديث أولى من هذا القول الحديث . و ( قوله : فقال أُبي بن كعب : لا يقوم معه إلا أصغر القوم ، فقام أبو سعيد ، فأعلمه بذلك ) وفي الرواية الأخرى : ( إن أُبي بن كعب أخبره بذلك ) لا تباعد فيهما ، فإنَّه أخبره بذلك كلاهما : أبو سعيد أولًا أتاه إلى منزله ، وأُبي ثانيًا لما اجتمع به عمر في المسجد . وهذا كله يدلُّ على شهرة الحديث عندهم ، ومع ذلك فلم يعرفه عمر ، ولا يُستنكر هذا ، فإنَّه من ضرورة أخبار الآحاد .