باب نظرة الفجأة وتسليم الراكب على الماشي وحق الطريق
( 2161 ) - [2070] وعن أبي طَلْحَةَ قال : كُنَّا قُعُودًا بِالْأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ . فَقُلْنَا : إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأسٍ ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ ، فقَالَ : إِمَّا لَا ، فَأَدُّوا حَقَّهَا : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَحُسْنُ الْكَلَامِ . ( 2121 ) ( 3 ) - [2071] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا .
فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ . قَالُوا : وَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الْأَذَى ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ . و ( قوله : ما لكم ولمجالس الصُّعدات ، اجتنبوا مجالس الصُّعدات ) الصُّعدات : جمع صعيد ، وهو الطريق مطلقًا .
وقيل : الطريق الذي لا نبات فيه ؛ مأخوذ من الصعيد ، وهو : التراب على قول الفرَّاء ، أو وجه الأرض على قول ثعلب . ويجمع : صُعُدا ، وصعدات ، كطرق وطرقات . وقد جاء الصعيد في الرواية الأخرى مفسَّرًا بالطريق .
وهذا الحديث إنكارٌ للجلوس على الطرقات ، وزجرٌ عنه ، لكن محمله على ما إذا لم ترهق إلى ذلك حاجة ، كما قالوا : ما لنا من ذلك بُدٌّ ؛ نتحدَّث فيها . لكن العلماء فهموا : أن ذلك المنع ليس على جهة التحريم ، وإنَّما هو من باب سدِّ الذرائع ، والإرشاد إلى الأصلح ، ولذلك قالوا : إنما قعدنا لغير ما بأس ، قعدنا نتذاكر ونتحدَّث ؛ أي : نتذاكر العلم والدين ، ونتحدَّث بالمصالح والخير ، ولما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم ذلك ، وتحقَّق حاجتهم إليه ؛ أباح لهم ذلك ، ثم ج٥ / ص٤٨٧نبَّههم على ما يتعين عليهم في مجالسهم تلك من الأحكام . و ( قوله : إمَّا لا ) هي : ( إن ) الشرطية المكسورة زيدت عليها ( ما ) تأكيدًا للشرط ، و ( لا ) عبارة عن الامتناع والإباية ، فكأنَّه قال : إن كان ولا بُدَّ من إبايتكم ، ولا غنى لكم عن قعودكم فيها ؛ فأعطوا الطريق حقَّها .
فلمَّا سمعوا لفظ الحق - وهو مجمل - سألوا عن تفصيله ، ففصَّله لهم بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( غضُّ البصر ، وكفُّ الأذى ، وردُّ السَّلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وهذه الحقوق كلها واجبة على من قعد على طريق . ولما كان القعود على الطريق يُفضي إلى أن تتعلق به هذه الحقوق ، ولعلَّه لا يقوم ببعضها فيتعرَّض لذمِّ الله تعالى ولعقوبته كره القعود فيها ، وغلَّظ بالزجر المتقدِّم ، والإنكار ، فإن دعت إلى ذلك حاجة ، كالاجتماع في مصالح الجيران ، وقضاء حوائجهم ، وتفقد أمورهم ، إلى غير ذلك ، قعد على قدر حاجتهم ، فإن عرض له شيء من تلك الحقوق وجب القيام به عليه . و ( كف الأذى ) يعني به : لا يؤذي بجلوسه أحدًا من جلسائه بإقامته من مجلسه ولا بالقعود فوقه ، ولا بالتضييق عليه ، ولا يجلس قبالة دار جاره ، فيتأذى بذلك .
وقد يكون كفُّ الأذى : بأن يكف بعضهم عن بعض ، إلا أن هذا يدخل في قسم الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فحمله على المعنى الأول أولى . و ( قوله : وحسن الكلام ) يريد أن من جلس على الطريق فقد تعرض لكلام الناس ، فليحسِّن لهم كلامه ، ويصلح شأنه .