باب في احتجاب النساء وما يخفف عنهن من ذلك
( 2170 ) ( 17 ) - [2080] وعنها قَالَتْ : خَرَجَتْ سَوْدَةُ ، بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ ، لِبعض حَاجَتَهَا ، وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا ، لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا ، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : يَا سَوْدَةُ! وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا ، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ ، قَالَتْ : فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ ، فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي خَرَجْتُ ، فَقَالَ لِي عُمَرُ : كَذَا وَكَذَا ، قَالَتْ : فَأُوحِيَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ ، وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ . و ( قوله : تفرع النساء جسمًا ) أي : طولًا . يقال : فرعت القوم : إذا طلتهم .
و ( انكفأت ) صوابه بالهمزة ، بمعنى : انقلبت وانصرفت . يقال : كفأت القوم كفئًا : إذا أرادوا وجها فصرفتهم إلى غيره ، فانكفؤوا . ووقع لبعض الرواة : انكفت - بحذف الهمزة والألف - ، وكأنه لما سهل الهمزة بقيت الألف ساكنة ، فلقيها ساكن فحذفت .
و ( العرق ) - بفتح العين وسكون الراء - : العظم الذي عليه اللحم . واعترقت العظم ، وتعرَّقته : إذا تتبعت ما عليه من اللحم . والعراق : العظم الذي لا لحم عليه .
و ( قوله : قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن ) لا خلاف في أن المرأة إن ج٥ / ص٤٩٨تخرج لما تحتاج إليه من أمورها الجائزة لكنها تخرج على حال بذاذة ، وتستُّر ، وخشونة ملبس ؛ بحيث يستر حجم أعضائها ، غير متطيِّبة ، ولا متبرِّجة بزينة ، ولا رافعة صوتها . وعلى الجملة فالحال التي يجوز لها الخروج عليها : أن تكون بحيث لا تمتد لها عين ، ولا تميل إليها نفس ، وما أعدم هذه الحالة في هذه الأزمان ؛ لما يظهرن من الزينة والطيب ، والتبختر في الملابس الحسان ، فمسامحتهن في الخروج على تلك الحال فسوق وعصيان . فإن قيل : فما الزينة التي اسثنى الله تعالى لهن إظهارها في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا فالجواب : إن ذلك اختلف فيه .
فقال ابن مسعود : إنها الثياب . يعني بذلك : ثيابها التي تستتر بها ، ولا تُسْتَر هي ، كالملحفة ، والخمار . وعلى هذا فلا يجوز أن تبدي مما تحت ذلك شيئًا ؛ لا كحلًا ، ولا خاتمًا ، ولا غير ذلك مما يستر بالملحفة والخمار .
وقال ابن عباس والمسور : هي الكحل ، والخاتم ؛ يعني : أن العين لا يمكن سترها ، وقد تتناول بيد الخاتم ما تحتاج إليه . وقال الحسن ومالك : هو الوجه ، والكفان ؛ لأنَّهما ليسا بعورة ؛ إذ يجب كشفهما عليها في الإحرام عبادة ، ويظهر ذلك منها في الصلاة ، وهما اللذان يبدوان منها عادة . والكلُّ محومون على أن المستثنى : هو ما يتعذر ستره إما عادة ، وإما عبادة ، وقد دلَّ على أن المطلوب من المرأة ستر ما تتمكن من ستره ؛ قول الله تعالى : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وقال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ فالخمار ما يلف على الرأس ، والحلق ، والجلباب اختلف فيه .
فقال الحسن : هو الرداء . وقال ابن جبير : المقنعة . وقال قطرب : هو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها .
وقال أبو عبيدة : أدنى الجلباب أن تغطي وجها إلا قدر ما تبصر منه . فرع : إذا قلنا : إن الوجه والكفين ليسا بعورة ، وإنه يجوز لها كشفهما ؛ فإذا كانت بارعة الجمال ، وجب عليها أن تستر وجهها لئلا تفتن الناس ، فتكون من ج٥ / ص٤٩٩المميلات اللاتي قد توعدن بالنار ، وللكلام في هذا متسع ، وفيما ذكرناه مَقْنَعٌ .