حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب في حسن أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم

( 2340 ) ( 98 و 99 ) [ 2254 ] وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي، قَالَ : فَقُلْتُ : فَكَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ : كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا . قال مسلم : مات أبو الطفيل سنة مائة، وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . و ( قوله : " كان أبيض مليحًا مُقَصَّدًا " ) أبيض : يعني في صفاء ، كما جاء أنه كان أزهر ، وكما قال : " ليس بالأبيض الأمهق " .

والملاحة : أصلها في العينين كما تقدَّم . والمقصَّد : القصد في جسمه وطوله ، يعني : أنه لم يكن ضئيل الجسم ، ولا ضخمه ، ولا طويلاً ذاهبًا ، ولا قصيرًا مترددًا ، كان وسطًا فيهما . و ( قوله : " كان شعره رَجِلاً " ) أي : ليس بالجعد ، ولا بالسَّبط .

الرواية في رَجِلاً ، بفتح الراء وكسر الجيم ، وهي المشهورة . وقال الأصمعي : يقال : شعر رَجِل : بفتح الراء وكسر الجيم ، ورَجَل : بفتح الجيم ، ورَجْل : بسكونها ، ثلاث لغات ، إذ كان بين السُّبوطة ، والجعُودة ، قال غيره : شعر مرجَّل ، أي : مسرح . وكان شعره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأصل خِلْقته مُسَرَّحًا .

ج٦ / ص١٣١و ( قول أنس ـ رضي الله عنه ـ وقد سئل عن خضاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لم ير من الشيب إلا قليلاً " . وفي الرواية الأخرى : " لو شئت أن أَعُدَّ شمطاتٍ كن في رأسه فعلت " ظاهره : أنه لم يكن ـ صلى الله عليه وسلم ـ يختضب ، كما قد نصَّ عليه في بقية الحديث . وبهذا الظاهر أخذ مالك فقال : لم يختضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وإليه ذهب أبو عمر بن عبد البر ، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أنه خضب ، متمسِّكين في ذلك بما رواه أبو داود عن أبي رمثة ، قال : انطلقت مع أبي نحو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا هو ذو وفرة ، وبها ردعٌ من حنَّاء ، وعليه بُردان أخضران .

وروى أبو داود أيضًا عن زيد بن أسلم : أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة . فقال : إني رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصبغ بها ، ولم يكن شيء أحبَّ إليه منها ، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته . ويعتضد هذا بأمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتغيير الشيب ، كما قال : " غيروا هذا الشيب واجتنبوا السواد " ، وقال : " غيروا الشيب ولا تشبَّهوا باليهود " .

وما كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمر بشيء إلا كان أول آخذ به . ومما يعتضد به لذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن موهب ، قال : دخلت على أم سلمة ، فأخرجت لي شعرات من شعر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مخضوبًا . زاد ابن أبي شيبة : ج٦ / ص١٣٢بالحناء والكتم .

والإسناد واحد . ومما يعتضد به هؤلاء خضاب الخليفتين رضي الله عنهما ، فلو علما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يختضب لما اختضبا ، فإنَّهما ما كانا باللذين يعدلان عن سنَّته ، ولا عن اتباعه ، والفصل لهؤلاء من أحاديث أنس ، وما في معناها بأن الخضاب لم يكن منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ دائمًا ، ولا في كل حال ، وإنَّما كان في بعض الأوقات ، فلم يلتفت أنس لهذه الأوقات القليلة ، وأطلق القول ، وأولى من هذا أن يقال : إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما لم يكن شيبه كثيرًا ، وإنَّما كان في لحيته وصدغيه نحو العشرين شعرة بيضًا ، لم يكن الخضاب يظهر فيها غالبًا ، والله تعالى أعلم . وقد اعتذر أصحاب القول الأول عن حديث أبي رمثة وابن عمر بأن ذلك لم يكن خضابًا بالحناء ، وإنما كان تغييرًا بالطيب ، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما : كان يصبغ بالصفرة ، ولم يقل : بالحناء ، وهذه الصفرة هي التي قال عنها أبو رمثة : ردع من حناء ، لأنَّه شبهها بها ، وأما حديث أم سلمة فيحتمل أن يكون ذلك فعل بشعر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعده بطيب أو غيره احترامًا وإكرامًا .

والله أعلم . والشَّمَطات : جمع شمطة ، ويعني بها : الشعرات البيض المخالطة للشعر الأسود . قال الأصمعي : إذا رأى الرجل البياض ، فهو أَشْمَط .

وقد شَمِطَ . والكَتَم - بالتحريك - : نبت يخلط بالوسمة ، يختضب به . قاله في الصحاح .

والبحت - بالموحدة والحاء المهملة - : هو الخالص من الشيء ، المنفرد عن غيره . وقال أبو حنيفة اللغوي : الوسمة : الحظر ، والعِظْلِم ، والثبلج ، والتَّنومة ، وكله يصبغ به . والحناء ممدودة .

قال أبو علي : جمع حناءة . والكتم -مخفف التاء - : هو المعروف . وأبو عبيد يقولها بالتشديد .

ونُبَذ : الرواية فيه بفتح النون وسكون الباء ، أي : شيء قليل متبدد . وبعض النَّاس يقوله : نبذ - بضم النون وفتح الباء - : جمع نُبْذة ، كغرفة وغرف ، وظلمة وظلم . وهذا لا يستقيم هنا ، لأنَّه كان يلزم منه أن ج٦ / ص١٣٣يكون سببه نبذًا مجتمعة في أنفسها ، متفرقة في مواضع عديدة ، ويلزم عليه أن يكون سببه كثيرًا ، فيكون هذا مخالفا لما قاله أنس في الأحاديث الأخر .

وكراهته ـ صلى الله عليه وسلم ـ الشيب إنَّما كان لأنه وقارٌ ، كما قد روى مالك : " أن أوَّل من رأى الشيب إبراهيم عليه السلام ـ ، فقال : يا رب ! ما هذا ؟ فقال : وقار . قال : يا رب زدني وقارًا " أو لأنه نورٌ يوم القيامة ، كما روى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جدِّه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تنتفوا الشيب ! ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة " . وفي أخرى : " إلا كتب الله له حسنة ، وحط عنه خطيئة " .

و ( قول أنس ـ رضي الله عنه ـ : " ما شانه الله بِبَيضاء " ) أي : لم يكن شيبه كثيرًا بيِّنًا حتى تزول عنه بهجة الشباب ، ورونقه ، ويلحق بالشيوخ ، الذين يكون الشيبُ لهم عيبًا ، فإنَّه يدلّ على ضعفهم ، ومفارقة قوة الشباب ونشاطه . ويحتمل أن يريد : أن ما ظهر عليه من الشيب اليسير زاده ذلك في عين الناظر إليه أبهة ، وتوقيرًا ، وتعظيمًا . و " الشَّيْن " : العيب .

و" أبري النِّبل " : أنحته ، و " أَرِيشُه " : أجعل فيها الريش ، ويعني : أنَّه قد كان كبر ، وقوي ، وعرف . وهذا حال المراهق .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث