باب في حسن أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم
( 2344 ) ( 108 و 109 ) [ 2255] وعن جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قالُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، وَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ . فَقَالَ رَجُلٌ : وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ قَالَ : لَا بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا، وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ . و ( قوله : " قد شَمِطَ مُقَدَّمُ رأسه ولحيته " ) أي : خالط الشيب ذينك الموضعين .
ومقدم اللحية : يعني به : العنفقة ، كما قال أبو جحيفة : رأيت هذه منه بيضاء . يعني : عنفقته . و" مقدمه " يعني به : الصِّدغين ، كما قال أنس : إنما كان البياض في عنفقته وصدغيه .
وهذا يدلّ : على أن قول أنس في الرواية الأخرى : إنه كان في ج٦ / ص١٣٤لحية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورأسه عشرون شعرة بيضاء ، إنَّما كان ذلك منه تقديرًا على جهة التقريب والتقليل لا التحقيق . و ( قوله : " وكان إذا ادَّهن لم تتبيَّن ، وإذا شعث تبيَّن " ) يعني : أنه كان إذا تطيَّب بطيب يكون فيه دهن فيه صفرة خفي شيبه ، وهذه هي الصفرة التي رأى عليه ابن عمر ، وأبو رمثة . والله أعلم .
وشعث الرأس : انتفاش شعره لعدم تسريحه ، وأراد به هنا : إذا لم يتطيَّب . و ( قوله : " كان وجهه مثل السيف " ) يحتمل هذا التشبيه وجهين : أحدهما : أن السيوف كانت عندهم مستحسنة محبوبة يتجمَّلون بها ، ولا يفارقونها ، فشبه وجه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به ، لأنَّه مستحسن محبوب يُتجمل به حين المجالسة ، ولا يُستغنى عنه . وثانيهما : أنه كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ أزهر ، صافي البياض ، يبرق وجهه ، وقد روي : أنه كان يتلألأ وجهه في الجدر ، فشبَّه وجهه بالسيف في صفاء بياضه وبريقه .
والله أعلم . و ( قوله : " لا ! بل : مثل الشمس والقمر " ) هذا نفيٌ لتشبيه وجهه بالسيف ، لما في السيف من الطول ، فقد يحتمل أن وجهه كان طويلاً ، وإنَّما كان مستديرًا في تمام الخَلْق ، ولأنه تقصير في التشبيه ، فأضرب عن ذلك ، وذكر من التشبيه ما هو أوقع ، وأبلغ ، فقال : بل مثل الشمس والقمر ، وهذا التشبيه : هو الغاية في ج٦ / ص١٣٥الحسن ، إذ ليس فيما نشاهده من هذه الوجوه أحسن ، ولا أرفع ، ولا أنفع منهما ، وهما اللذان جرت عادة الشعراء والبلغاء بأن يشبهوا بهما ما يستحسنونه . و ( قوله : " وكان كثير شعر اللحية " ) لا يفهم من هذا أنه كان طويلها ، فإنَّه
قد صحَّ أنه كان كثَّ اللحية، أي : كثير شعرها غير طويلة ، وكان يخلل لحيته .
و ( قوله : " ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة " ) الألف واللام في الخاتم لتعريف العهد ، أي : خاتم النبوة الذي من علاماته المعروفة له في الكتب السابقة ، وفي صدور علماء الملل السالفة ، ولذلك لما حصل عند سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ العلم بصفاته ، وأحواله ، وعلاماته وموضع مبعثه ، ودار هجرته ، جدَّ في الطلب حتى ظفر بما طلب ، ولما لقيه جعل يتأمل ظهره ، فعلم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة ، فنزع رداءه من على ظهره ، فلما رأى سلمان الخاتم أكبَّ عليه يقبله ، وهو يقول : أشهد أنك رسول الله . وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام ، ونزلوا بصومعة راهب كان هنالك ، وقد سُمِّي في غير هذا الخبر " بحيرًا " فخرج إليهم ذلك الراهب ، وكان قبل ذلك لا يخرج إليهم ، ولا يلتفت إليهم ، فلما خرج جعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : هذا سيد العالمين ، هذا رسول رب العالمين ، يبعثه الله رحمة للعالمين . فقال له أشياخ من قريش : ما علمك ؟ فقال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ، ولا شجر إلا خرَّ ساجدًا له ، ولا يسجدان إلا لنبي ، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروفه مثل التفاحة .
، وذكر الحديث بطوله ، وقال في آخره : حديث حسن ج٦ / ص١٣٦غريب . وعلى هذا ، فخاتم النبوة معناه : علامةُ نبوَّةِ نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقد اختلفت ألفاظ النقلة في صفة ذلك الخاتم ، فروى جابر بن سمرة ، وأبو موسى ما ذكرناه آنفًا ، وروى السائب بن يزيد : أنه مثل زرِّ الحجلة . وروى عبد الله بن سرجس : أنه رأى جُمْعًا عليه خِيلان مثل الثآليل .
وروى الترمذي عن جابر بن سمرة ، قال : كان خاتم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ - يعني الذي بين كتفيه - غدَّة حمراء مثل بيضة الحمامة ، وقال : حسن صحيح. قلت : وهذه الكلمات كلها متقاربة المعنى مفيدة أن خاتم النبوة كان نتوءًا قاتمًا أحمر تحت كتفه الأيسر قدره إذا قُلِّل : بيضة الحمامة ، وإذا كُثِّر : جمع اليد ، وقد جاء في البخاري : كان بضعة ناشزة ، أي : مرتفعة . و قوله : " زرِّ الحجلة " الرواية المعروفة فيه : " زر " بتقديم الزاي .
قال أبو الفرج الجوزي : الحجلة : بيت كالقبة يستر بالثياب ، ويجعل له باب من جنسه ، فيه زرّ وعروة ، تشدُّ إذا أغلق . وقال القاضي أبو الفضل : الزرُّ : الذي يعقد به النساء عرى أحجالهن كأزرار القميص . والحجلة هنا : واحدة الحِجال ، وهي ستور ذات سُجوف .
وقال غيره : الحجلة : هي الطائر المعروف ، وزرَّها : بيضتها ، كما قال جابر : بيضة الحمامة . قلت : والأول : أشهر في الزر ، والثاني : أشبه بالمعنى ، وقد أبعد الخطابي فرواه : رز الحجلة بتقديم الراء ، أراد : بيضة الحجلة . يقال : أرزت الجرادة ، أي : أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض .
قلت : وهذا لا يلتفت إليه ، لأنَّ العرب لا تسمي البيضة رزة ، ولا تؤخذ ج٦ / ص١٣٧اللغة قياسًا . قال القاضي أبو الفضل : وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه . قلت : هذه غفلة من هذا الإمام ، فإنَّ الشق إنما كان في صدر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأثره إنما كان خطًّا واضحًا من صدره إلى مراق بطنه ، كما هو منصوص عليه في الأحاديث السالفة في كتاب الإيمان من كتاب مسلم ، وفي البخاري وغيرهما ،
ولم يثبت قط في رواية صحيحة ، ولا حسنة ، ولا غريبة أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء ظهره، ولو قدرنا أن ذلك الشق كان نافذًا إلى ظهره ، وأن تلك أثره ، للزم عليه أن يكون مستطيلاً من بين كتفيه إلى قطنته ، لأنَّه الذي يحاذي الصدر من مسربته إلى مراق بطنه ، فهذه غفلة منه رحمه الله .
ولعل هذا غلط وقع من بعض الناسخين لكتابه ، فإنَّه لم يُسمع عليه فيما علمت . وناغض الكتف : هو ما رق منه ولان ، سُمِّي بذلك لنغوضه ، أي : حركته ، يقال : نغض رأسه ، أي : حركه . ونغضت القناة : هززتها .
ومنه قوله تعالى : فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ، أي : يحركونها استهزاء . ويُسمَّى الناغض : الغضروف ، وكذا جاء في رواية أخرى . و ( قوله : " جُمْعًا عليه خيلان " ) هو منصوب على الحال ، أي : نظرت إلى خاتم النبوة مثل الجمع .
قال ابن قتيبة : هو جُمع الكف . يقال : ضربه بِجُمع كفه ، إذا جمعها فضربه بها . وهو بالضم ، ويقال بكسرها .
والخِيلان : جمع خال ، وهي نقط سودٌ كانت على الخاتم ، شبهها لسعتها بالثآليل ، لا أنها كانت ثآليل ، وهي جمع ثؤلول : وهي حبيبات تعلو الجلد . و ( قوله : " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضليع الفم " ) فسَّره سماك في الأصل : بأنه ج٦ / ص١٣٨عظيم الفم ، وهو بمعنى واسع الفم كما قاله ثعلب . والعرب تتمدَّح بسعة الفم ، وتكره صغره .
قلت : وكأنهم يتخيَّلون أن سعة الفم يكون عنها : سعة الكلام ، والفصاحة ، وأن ضيق الفم يكون عنه قلَّة الكلام واللكنة ، وقد وُصف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ، أي لسعة شدقيه ، وعدم تصنعه ، ومن هذا المعنى سُمي الرجل أشدق . و ( قوله : " أشكل العينين " ) قال أبو عبيد : الشُّهلة : حمرة في سواد العين ، والشُّكلة : حمرة في بياضها ، وهو محمودٌ . قال الشاعر :
قلت : ونحو هذا في الصحاح ، وزاد : عين شَكْلاء : بينة الشَّكَل . ورجل أشكل ، ودمٌ أشكل : إذا كان فيه بياض وحمرة ، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة ، فأمَّا ما فسَّره به سماك من أنه طويل شق العين ، فغير معروف عندهم ، ولم أقف على من قاله غيره . و ( قوله : " منهوس العقبين " ) يروى بالسين المهملة والمعجمة .
قال ابن الأعرابي : يقال رجل منهوس القدمين ، ومنهوش القدمين ، أي : قليل لحمهما ، كما قال سماك ، وهو مأخوذ من النهس والنهش . قال أبو العباس : النهس أخذٌ بأطراف الأسنان ، والنهش بالأضراس .