باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد
) باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ( 2425 ) [ 2336 ] عَنْ ابن عمر أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ( 43 ) ومن باب : فضائل زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب الكلبي مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويكنى : أبا أسامة بابنه أسامة بن زيد ، وكان أصابه سباءٌ في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، فوهبته للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وذلك قبل النبوَّة بمكة ، وزيد ابن ثماني سنين ، فأعتقه ، وتبناه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان يطوف به على حلق قريش ويقول : هذا ابني وارثًا ، وموروثًا - يُشهدهم على ذلك - . وذكر عن الزهري : أنَّه قال : ما علمت أحدًا أسلم قبل زيد . وروي عن الزهري من وجوه : أن أوَّل من أسلم خديجة .
وقُتِل زيد بمؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة ، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمَّره في تلك الغزاة ، وقال : إن قُتِل زيدٌ فجعفر ، فإنَّ قُتِل جعفر فعبد الله بن رواحة فقُتِل الثلاثة في تلك الغزاة ، ولما أتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نعي زيد ، وجعفر بكى ، وقال : أخواي ، ومؤنساي ، ومحدثاي . و ( قوله : ما كنَّا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد ابن محمَّد ) كان التبنِّي معمولاً به في الجاهلية والإسلام ، يُتوارث به ، ويُتناصر ، إلى أن نسخ الله ذلك كله بقوله : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي : أعدلُ . فرفع الله تعالى حكم التبني ، ومنع من إطلاق لفظه ، وأرشد بقوله إلى الأولى والأعدل أن يُنسب الرَّجل إلى أبيه نسبًا ، ولو نسب إلى أبيه من التبني ، فإنَّ كان على جهة الخطأ - وهو أن يسبق اللسان إلى ذلك من غير قصد - فلا إثم ، ولا مؤاخذة ، لقوله تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ، أي : لا إثم فيه ، ولا يجري هذا المجرى إطلاق ما غلب عليه اسم التبني ، كالحال في المقداد بن عمرو ، فإنَّه قد غلب عليه نسب التبني ، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود ، فإنَّ الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية ، وعرف به ، فلما نزلت الآية قال المقداد : أنا ابن عمرو ، ومع ذلك فبقي ذلك الإطلاق عليه ، ولم يسمع فيمن مضى من عصَّى مُطْلِق ذلك عليه ، وإن كان متعمدًا .
وليس كذلك الحال في زيد بن حارثة ، فإنَّه لا يجوز أن يقال فيه : زيد بن محمَّد ، فإن قاله أحدٌ متعمِّدًا عَصَى ، لقوله تعالى : وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ أي : فعليكم فيه الجناح . والله تعالى أعلم . ولذلك قال بعده : وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا أي : غفورًا للعمد ورحيمًا برفع إثم الخطأ .
ومعنى قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ أي : انسبوهم إليهم ، ولذلك عدَّاه باللام ، ولو كان الدُّعاء بمعنى : النداء لعدَّاه بالباء . وقوله : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ فانسبوهم إليكم نسبة الأخوة الدينية التي قال الله فيها : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ والمولويَّة التي قال فيها : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وقد تقدَّم : أنَّه يقال : مولى على الْمُعْتِق ، والْمُعْتَق ، وابن العم ، والناصر . و ( قوله : بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعثًا ، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - هذا البعث - والله تعالى أعلم - هو الذي جهَّزه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أسامة ، وأمره عليهم ، وأمره أن يغزو أُبنى ، وهي القرية التي هي عند مؤتة - الموضع الذي قتل فيه زيد أبو أسامة - ، فأمره أن يأخذ بثأر أبيه .
وطعن من في قلبه ريبٌ في إمارته ، من حيث : إنه من الموالي ، ومن حيث : إنه كان صغير السِّن ، لأنَّه كان إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة ، فمات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد برز هذا البعث عن المدينة ، ولم ينفصل بعد عنها ، فنفَّذَه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بعد موت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .