باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد
( 2426 ) ( 63 و 64 ) [ 2337] وعنه قال : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ! إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ . زاد في أخرى : فأوصيكم به فإنه من صالحيكم . و ( قوله : " إن تطعنوا في إمرته ، فقد كنتم طعنتم في إمرة أبيه قبل " ) هذا خطاب منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن وقع له ذلك الطعن ، لكنه على كريم خلقه لم يعيِّنهم سترًا لهم ، إذ مَعْتبتُه كانت كذلك ، كما تقدَّم ، وكان الطعن في إمارة زيد من حيث إنه كان مولًى ، فشهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأسامة وأبيه - رضي الله عنهما - بأنَّهما صالحان للإمارة ، لما يعلم من أهليتهما لها ، وأن كونهما موليين لا يغضُّ من مناصبهما ، ولا يقدح في أهليتهما للإمارة .
ولا خلاف أعلم في جواز المولى والمفضول ، وقد تقدَّم القول في استخلاف المفضول . و " الإمرة " رويناها بالكسر بمعنى : الولاية ، وقال أبو عبيد : يُقال : لك عليَّ أمرةٌ مطاعة - بفتح الهمزة - ، وكذلك حكاه القتبي ، وهي واحدة الأمر . قلت : وهذا على قياس : جَلسة ، وجِلسة - بالفتح للمصدر والكسر للهيئة - .
والخليق ، والحريُّ ، والقَمِنُ ، والحقيقُ : كلُّها بمعنى واحد . ج٦ / ص٣٠٩و ( قوله : " وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ " ) " إن " عند البصريين مخففة من الثقيلة ، واللام الداخلة بعدها هي المفرقة بين " إن " المخففة وبين " إن " الشرطية . وعند الكوفيين : " إن " نافية ، واللام بمعنى : إلا .
وهذا نحو قوله :
فكان أسامة الحبُّ ابن الحبِّ . وبذلك كان يُدعى . ورضي الله عن عمر بن الخطاب ، لقد قام بالحق ، وعرفَه لأهله ، وذلك : أنَّه فرض لأسامةَ في العطاء خمسة آلاف ، ولابنه عبد الله ألفين .
فقال له عبد الله : فضلت عليَّ أسامة ، وقد شهدت ما لم يشهد ؟! فقال ـ رضي الله عنه ـ : إن أسامة كان أحب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منك ، وأبوه كان أحب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أبيك . ففضل محبوب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على محبوبه ، وهكذا يجب أن يحب ما أحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويبغض ما أبغض ، وقد قابل مروان هذا الحب الواجب بنقيضه ، وذلك : أنَّه مرَّ بأسامة بن زيد وهو يصلي عند باب بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقال له مروان : إنَّما أردت أن يُرى مكانك فقد رأينا مكانك ، فعل الله بك وفعل - قولاً قبيحًا - فقال له أسامة : إنَّك آذيتني ، وإنَّك فاحش متفحش ، ج٦ / ص٣١٠وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " إن الله يبغض الفاحش المتفحش " . فانظر ما بين الفعلين ، وقس ما بين الرَّجلين ، فلقد آذى بنو أمية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أحبابه ، وناقضوه في مَحابِّه .
تنبيه : روى موسى بن عقبة عن سالم ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " أحبُّ الناس إليَّ أسامة " فما حاشا فاطمة ولا غيرها . وهذا يعارضه ما تقدَّم من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن أحبَّ الناس إليه عائشة ، ومن الرِّجال أبوها ، ويرتفع التعارض من وجهين : أحدهما : أن الأحاديث الصحيحة المشهورة إنما جاءت في حبِّه لأسامة بـ " من " التي للتبعيض ، كما قد نصَّ عليه بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنه لمن أحب الناس إلي " . وقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " إن أسامة بن زيد أحب الناس إليَّ " أو " من أحب الناس إلي " فعلى هذا يحتمل أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " إن من أحب الناس إلي أسامة " فأسقطها بعض الرواة .
والوجه الثاني : على تسليم أن صحيح الرواية بغير " من " فيرتفع التعارض بأن كل واحد من هؤلاء أحب بالنسبة إلى عالمه . وبيان ذلك : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان يحب هؤلاء من حيث الصورة الظاهرة ، فإنَّ أسامة كان أسود أفطس ، وإنَّما كان يحبهم من حيث المعاني ، والخصائص التي كانوا موصوفين بها . فكان أبو بكر ـ رضي الله ج٦ / ص٣١١عنه ـ أحب إليه من حيث إنه كان له من أهلية النيابة عنه ، والخلافة في أمته ما لم يكن لغيره .
وكانت عائشة - رضي الله عنها - أحب النساء إليه من حيث إن لها من العلم والفضيلة ما استحقت به أن تفضل على سائر النساء ، كما فضل الثريد على سائر الطعام . وكان أسامة ـ رضي الله عنه ـ أيضًا أحب إليه من حيث إنه كان قد خص بفضائل ومناقب استحق بها أن يكون أحب الموالي إليه ، فإنَّه أفضلهم وأجلهم ، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أوصيكم به خيرًا ، فإنَّه من صالحيكم " فأكد الوصية به ، ونبَّه على الموجب لذلك ، وهو ما يعلمه من صلاحه وفضله ، وقد ظهر ذلك عليه ، فإنَّه لم يدخل في شيء من الفتن فسلَّمه الله تعالى من تلك المحن ، إلى أن توفي في خلافة معاوية سنة سبع وخمسين ، وقيل : سنة أربع وخمسين ـ رضي الله عنه ـ .