حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب فضائل حسان بن ثابت

( 2489 ) [ 2397] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ حَسَّانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِي أَبِي سُفْيَانَ ! قَالَ : كَيْفَ بِقَرَابَتِي مِنْهُ؟ قَالَ : وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعجين ! فَقَالَ :

وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ
قَصِيدَتَهُ هَذِهِ . ( 2490 ) [ 2398 ] وعنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اهْجُ قُرَيْشًا ؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ ! فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ فَقَالَ : اهْجُهُمْ ! فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ حَسَّانُ : قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ ! ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ ، ثم جَعَلَ يُحَرِّكُهُ فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَعْجَلْ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي ! فَأَتَاهُ حَسَّانُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعَجِينِ ! قَالَتْ عَائِشَةُ : فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِحَسَّانَ : إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَقَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى .

قَالَ حَسَّانُ :

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تقيًا رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
عدمنا خيلنا إِنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ
يُبَارِينَ الْأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظِّمَاءُ
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
فَإِنْ أَعْرَضْتُمُو عَنَّا اعْتَمَرْنَا وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ
وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٍ يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ : قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ : قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا هُمْ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ
لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
و ( قول عائشة " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اهج قريشًا " ) ، هكذا وقع في بعض النسخ " اهج " على أنه أمر لواحد ولم يتقدم له ذكر ، فكأنه أمر لأحد الشعراء الحاضرين ، ووقع في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب " اهجوا " بضمير الجماعة ، فيكون أمرًا لجميع من حضر هناك من الشعراء . و ( قوله " فإنَّه أشدُّ عليها من رَشْقً بالنبل " ) ، الضمير في " إنه " عائد على الهجو الذي يدلُّ عليه " اهج قريشًا " ، وفي " عليها " لقريش ، ورشق بفتح الراء وهو الرَّمي ، ففيه دليل على أن الكافر لا حرمة لعرضه كما أنه لا حرمة لماله ولا لدمه ، وأنه يُتعرض لنكايتهم بكل ما يؤلمهم من القول والفعل . ج٦ / ص٤٢٤و ( قوله : قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ) ، هذا من حسان مدح لنفسه ، شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب فحمي ، وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واحتد لذلك ، واستحضر في ذهنه هجو قريش فتصوره وأحس أنه قد أعين على ذلك ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال تلك الكلمات مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه ، وأنه قد أجيب فيه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك .

وتنزل هذا الافتخار في هذا الموطن منزلة افتخار الأبطال في حال القتال ، فإنَّهم يمدحون أنفسهم ويذكرون مآثرهم ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا ، وذلك يدلّ على ثبوت الجأش وشجاعة النفس وقوة العقل والصَّبر وإظهار كل ذلك للعدو وإغلاظ عليهم وإرهاب لهم ، وكل هذا الافتخار يوصل إلى رضا الغفار ، فلا عتب ولا إنكار . و ( قوله : ثم أدلع لسانه ) ؛ أي أخرجه وحرَّكه ، كأنه كان يعدُّه للإنشاد . و ( قوله : والذي بعثك بالحق لأفرينَّهم بلساني فَرْيَ الأديم ) ؛ أي : لأمزقنهم بالهجو كما يمزق الجلد بعد الدِّباغ ، فإنَّه يقطع خفافًا ونعالاً وغير ذلك ، وتشبيه حسان نفسه بالأسد الضارب بذنبه بحضرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه رضي الله عنهم وإقرار الكل عليه دليل على بطلان قول من نسب حسَّان إلى الجبن ، ويتأيد هذا بأن حسان لم يزل يُهاجي قريشا وغيرهم من خيار العرب ويهاجونه ج٦ / ص٤٢٥فلم يعيره أحد منهم بالجبن ولا نسبه إليه ، والحكايات المنسوبة إليه في ذلك أنكرها كثير من أهل الأخبار ، وقيل : إن حسَّان أصابه الجبن عندما ضربه صفوان بن المعطل بالسيف ، فكأنه اختل في إدراكه ، والله تعالى أعلم .

و ( قوله : " إن روح القدس لا يزال معك ما نافحت عن الله ورسوله " ) ؛ أي مدَّة منافحتك . والمنافحة : المخاصمة والمجادلة ، وأصلها الدَّفع . يقال : نفحت الناقة الحالب برجلها أي دفعته .

ونفحه بسيفه ، أي : ضربه به من بعيد . و ( قوله صلى الله عليه وسلم " هجاهم حسَّان فشفى واشتفى " ) ؛ أي : شفى الألم الذي أحدثه هجوهم ، واشتفى هو في نفسه ، أي : أصاب منهم بثأره شفاء . وأنشد حسان : هَجَوتَ مُحمَّدًا فأَجَبْتُ عنه .

لم يرو مسلم أوَّل هذه القصيدة ، وقد ذكرها بكمالها ابن إسحاق ، وذكر أوَّلها :

عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالجِواءُ إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُها خَلاءُ
فلنذكرها على ما ذكرها ابن إسحاق ونفسِّر غريبها فإنَّها قصيدة حسنة مشتملة على فوائد كثيرة . وقوله " عفت " معناه : درست وتغيَّرت ، وذات الأصابع والجِواء : موضعان بالشام ، وعذراء : قرية عند دمشق ، وإنَّما ذكر حسان هذه المواضع لأنَّه كان يردها كثيرًا على ملوك غسان يمدحهم ، وكان ذلك قبل الإسلام . وخلا : خال ليس به أحد .

ج٦ / ص٤٢٦

ديارٌ من بني الحَسحَاس قَفرٌ تُعَفِّيها الرَّوامسُ والسَّماء
وكانت لا يَزَالُ بها أَنِيسٌ خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وَشَاءُ
الدِّيار : المنازل . وبنو الحسحاس : قبائل معروفون ، وتعفيها : تغيِّرها . والروامس : الرياح - وسُمِّيت بذلك لأنَّها ترمس الآثار ، أي : تغيرها ، والرمس والرسم : الأثر الخفي .

والسماء : المطر . والسماء : كل ما علاك فأظلَّك . خلال : بمعنى بين .

ومروج : جمع مرج ، وهو الموضع المنبت للعشب المختلف الذي يختلط بعضه ببعض . والنعم : الإبل خاصة ، والأنعام : يتناول الإبل والبقر والغنم ، والشاء : الغنم .

فَدَع هَذَا ولَكِن مَن لِطَيْفً يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
الطَّيف : ما يراه النائم في منامه ، وهو في الأصل مصدر طاف الخيال يطوف طيفًا ، ولم يقولوا في هذا طائف في اسم الفاعل ، قال السُّهيلي : لأنه تخيُّل لا حقيقة له ، فأمَّا قوله : فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ فلا يقال فيه طيف ، لأنَّه اسم فاعل حقيقة ، ويقال : إنه جبريل ، فأمَّا قوله تعالى : إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا .

فمن قرأه " طائف " اسم فاعل فإنَّه أراد به الشيطان نفسه ، ومن قرأه " طيف " أراد به تخيله ووسواسه ، وهي لا حقيقة لها . ويؤرقني : يسهرني . إذا ذهب العشاء ، أي : بعد العشاء في الوقت الذي ينام فيه الناس ، يعني أنه يسهر لفكرته في الطيف أو للوعته به كلما غمض .

لِشَعثاءَ التي قد تَيَّمتهُ فَلَيسَ لِقَلبِه منها شِفاءُ
قيل : إن شعثاء هذه هي ابنةُ كاهنِ امرأة حسان ، ولدت له ابنته أم فراس . وتيَّمته : ذلَّلته .
كَأَنَّ سَبِيَّةً مِن بَيتِ رَأسٍ يكُونُ مِزَاجَها عَسَلٌ وماءُ
ج٦ / ص٤٢٧السبية : الخمر .

وبيت رأس : موضع فيه خمر عالية ، وقيل : رأس رجل خمار نسبت إليه ، ومزاجها : خلطها . وقد جعل الخبر معرفة والاسم نكرة ، وهو عكس الأصل ، وإنَّما جاز ذلك لأنَّ عسلاً وماءً اسمان من أسماء الأجناس ، فأفاد مُنكِّره ما يفيد معرَّفه ، فكأنهما معرفتان ، وخبر كأن محذوف ، تقديره : كأنَّ فيها سبيَّة مستلذَّة ، وهذا إنما اضطر إلى ذلك من لم يرو في القصيدة قوله :

على أَنيابِها أو طَعمُ غَضًّ مِنَ التُّفَّاح هَصَّرَهُ الجِناء
وذلك أن هذا البيت لم يقع في رواية ابن إسحاق ، فمن صحَّ عنده هذا البيت جعل خبر كأن " على أنيابها " ولم يحتَجْ إلى تقدير ذلك المحذوف . والأنياب : هي الأسنان التي بين الضَّواحك والرُّباعيات .

والغَضُّ : الطري ، وهصَّره : دلاَّه وأدناه . الجناء : أي الاجتناء ، وهو بكسر الجيم والمد ، والجنى - بالفتح والقصر- ما يُجتنى من الشجر ، قال أبو القاسم السُّهيلي : وهذا البيت موضوع .

إذا ما الأَشْرِباتُ ذُكِرنَ يومًا فَهُنَّ لِطَيِّب الرَّاح الفِدَاءُ
الأشربات : جمع أشربة ، فشراب الواحد ، وجمع قلته المكسر أشربة ، وجمع سلامته أشربات .

والراح : من أسماء الخمر ، واللام هنا للعهد ؛ أي : الخمر السيئة المتقدِّمة الذكر .

نُوَلِّيها المَلامَةَ إن أَلَمنا إذا ما كان مغث أو لِحَاءُ
ونَشرَبُها فَتَترُكُنا مُلُوكًا وأُسدًا ما يُنَهنِهُنا اللِّقاءُ
ألمنا : أي أتينا ما نلام عليه . والمقتُ : مما يمقت عليه ، أي يبغض ج٦ / ص٤٢٨كالضرب والأذى .

واللحاء : الملاحاة باللسان - يريد إن فعلنا شيئًا من ذلك اعتذرنا بالسكر ، وينهنهنا : يضعفنا ويفزعنا .

عَدِمنا خَيلَنا إِن لَم تَرَوها تُثِيرُ النَّقْعَ مَوعِدُها كَدَاءُ
يُنَازِعنَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ على أَكْتَافِها الأَسَلُ الظِّمَاءُ
الضمير في " تروها " عائد على الخيل وإن لم يجر لها ذكر ، لكنها تفسرها الحال والمشاهدة ، وتثير : تحرك . والنقع : الغبار ، وكداء : التثنية التي بأعلى مكة ، وكُدَى - بضم الكاف والقصر - تثنية بأسفل مكة ، وقد تقدَّم ذكرهما .

وينازعن : يجاذبن . والأسل : الرِّماح . والظماء : العطاش .

ووصف الرماح بذلك لأنَّ حامليها يريدون أن يطعنوا أعداءهم بها فيرووها من دمائهم . ومُصعِدات : مرتفعات ، ومصغيات : مائلات .

تَظَلُّ جِيَادُنا مُتَمَطِّراتٍ تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ
الجياد : الخيل .

متمطرات : يعني بالعرق من الجري ، والرواية المشهورة " يلطمهن " من اللطم وهو الضرب في الخد ، ويعني أن هذه الخيل لكرمهن في أنفسهن ولعزَّتهن عليهم تبادر النساء فيمسحن وجوه هذه الخيل بالخُمُر . وكان الخليل يروي هذا اللفظ " يطلمهن " بتقديم الطاء على اللام ويجعله بمعنى ينفض ، وقال ابن دريد : الطلم ضربك خبز الملة بيدك لينتفض ما به من الرماد . ورواية مسلم لهذا الحديث " ثَكِلَتْ بُنَيتي " بدل " عدمنا خيلنا " .

والثكل : فقد الولد . وبُنيتي : تصغير بنت . ومعنى صدر هذا البيت على الروايتين : الدعاء على نفسه إن لم يغز قريشًا .

ووقع أيضًا لبعض رواة مسلم " موعدها كداء " ، ولبعضهم " غايتها " بدل " موعدها " ، والمعنى متقارب . ووقع في بعض النسخ مكان " موعدها " : " من كنفي ج٦ / ص٤٢٩كداء " على الإقواء ، وليس بشيء ، إذ لا ضرورة تحوج إليه مع صحَّة الروايات المتقدِّمة ، وكنفا كداء : جانباها .

فإِمَّا تُعرِضُوا عنَّا اعتَمَرنا وكَانَ الفَتحُ وانكَشَفَ الغِطَاءُ
هذا يدل على أن حسان قال هذه القصيدة قبل يوم الفتح كما قال ابن هشام ، وظاهره أن ذلك كان في عُمرة الحديبية حين صدوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن البيت ، وقال ابن إسحاق : إن حسان قالها في فتح مكة - وفيه بُعدٌ .

وإِلا فَاصبِرُوا لِجلاد يَومٍ يُعِزُ اللهُ فيهِ مَنْ يَشاءُ
هذا من باب إلهام العالم ، لأنَّ حسان قد علم أن الله قد أعز نبيَّه ، وقد قال تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وقال : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ الآية ، وقال : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إلى غير ذلك ، وقد دلَّ على هذا قوله بعد هذا :
وجِبرِيلُ رَسُولُ اللهِ فِينا ورُوحُ القُدسِ ليسَ لَهُ كِفَاءُ
أي : لا يقاومه أحد ولا يماثله . وروح القدس : هو جبريل عليه السلام ، والقدس : الطهارة ، وهو معطوف على " رسول الله " ، والكفاء : الكفو وهو المثل .
وقالَ الله قد أَرسَلْتُ عَبدًا يقُولُ الحقَّ إِن نَفَعَ البَلاءُ
أي الابتلاء وهو الاختبار ، وقد ضمن صدر هذا البيت معنى الابتلاء ، ولذلك أشار بقوله " البلاء " لأنَّ اللام فيه للعهد لا للجنس ، فتدبَّره ! ورواية مسلم في هذا البيت : ج٦ / ص٤٣٠ .

يقُولُ الحَقَّ لَيسَ بِه خَفاءُ ثم شهد حسَّان بتصديقه فقال :

شَهِدتُ به فَقُومُوا صدِّقُوه فَقُلتُم لا نَقُومُ ولا نَشَاءُ
أي : لا نقوم لتصديقه ولا نريده - فعاندوا ، ولما كان ذلك قال :
وقَال اللهُ قَد يَسَّرتُ جُندًا هُمُ الأَنصارُ عُرضَتُها اللِّقاءُ
أي قَصدُها وهمُّها لقاؤكم وقتالكم ، يعني أنهم لما ظهر عنادهم نصر الله نبيَّه بجند الأنصار ، ولم يذكر المهاجرين لأنَّهم لم يظهر لهم أثر إلا عند اجتماعهم بالأنصار ، والله تعالى أعلم .
لَنا فِي كُلِّ يومٍ مِنْ مَعَدٍّ سِبَابٌ أو قِتَالٌ أو هِجاءُ
هكذا رواية ابن إسحاق ، ويروى " سباء " من السَّبي ، ومعناه واضح ، فالهمزة مكان الباء ، والذي في كتاب مسلم " نلاقي كل يوم من معدٍّ سباب " ، ويعني بمعدٍّ قريشًا ، نسبهم لمعدِّ بن عدنان ، و " أو " في البيت للتنويع ، ويعني بالسباب السب نثرًا ، وبالهجاء السب نظمًا ، والله تعالى أعلم . وقد دلَّ عليه قوله :
فَنُحكِم بالقَوَافي مَن هَجَانا ونَضرِبُ حِينَ تَختَلِطُ الدِّماءُ
فنحكم : نمنع ، ويعني أنه يجيب الهاجي بأبلغ من هجائه وأصعب عليه فيمتنع من العود ، ويعني باختلاط الدماء التحام الحرب ومخالطة الدماء عند الحرب .

أَلا أَبلِغ أَبا سُفيانَ عَنِّي مُغَلغَلةً فقد بَرِحَ الخَفَاءُ
أبو سفيان هذا هو ابن الحارث ، وهو كان الهاجي أولاً ، وقد تقدَّم أنه كان أحد الشعراء . والمغلغلة : الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد . وبرح الخفاء : أي انكشف السر وظهر المضمر - وهو مثل .

ج٦ / ص٤٣١

فإنَّ سيوفنا تَرَكَتكَ عبدًا وعبد الدَّارِ ساد بها الإماء
عبدًا : يعني ذليلاً ذل العبيد .
هجَوتَ محمَّدًا وأَجَبتُ عنه وعِندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
الخطاب لأبي سفيان ، وروي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أنشده هذا البيت قال له : " جزاؤك عند الله الجنة " .
هَجَوتَ محمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا رَسُولَ اللهِ شِيمَتُه الوفاءُ
البرُّ : التَّقي ، والحنيف : المائل عن الأديان كلها إلى دين إبراهيم .

والشِّيمة : السَّجيَّة والسَّليقة والخليقة والجبلَّة - كلها : الطبيعة . وقوله :

أَتَهجُوه ولَستَ لَهُ بِكُفءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيرِكُما الفِداءُ
هذا يتضمن الدُّعاء لإنزال المكاره بأكثر الرجلين شرًّّا وإنزال الخير بأكثرهما خيرًا ، وعند ذلك يتوجَّه عليه إشكال وهو أن شرًّا وخيرًا هنا للمفاضلة ، والمعقول من المفاضلة اشتراك المتفاضلين فيما وقعت فيه واختصاص أحدهما بزيادة فيه ، فيلزم منه أن يكون في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شرٌّ وهو باطل ، فتعيَّن تأويل ذلك ، فقال السُّهيلي : إن شرًّا هنا بمعنى أنقص . وحكي عن سيبويه أنه قال : تقول مررت برجل شرٌّ منك ، أي : أنقص عن أن تكون مثله .

قال السُّهيلي : ونحو منه قوله صلى الله عليه وسلم : ج٦ / ص٤٣٢" شرُّ صفوف الرجال آخرها " يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الأول ، ولا يجوز أن يريد به التفضيل في الشرِّ . قلت : وأوضح من هذا وأبعد من الاعتراض أن يقال إن الأصل في أفعل ما ذكر ، غير أن المعنى الذي يقصد به المفاضلة فيه قد يكون معنى وجوديًا ، كما يقال : بياض الثلج أشدُّ من بياض العاج ، وقد يكون المعنى توهُّميا بحسب زعم المخاطب ، كما قال تعالى : فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا ، وذلك أن الكفار زعموا أن المؤمنين شرٌّ منهم ، فأجيبوا بأن قيل لهم : ستعلمون باطل زعمكم بأن تشاهدوا عاقبة من هو الموصوف بالشر ، وعلى هذا يخرج معنى البيت ، فإنَّهم كانوا يعتقدون في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شرًّا ، فخاطبهم بحسب زعمهم ، ودعا على الأشر من الفريقين منهما له وهو يعنيهم قطعًا ، فإنَّهم هم أهل الشر ، لكنهم أتاهم بدعاء نَصَف يُسكِت الظالم ويُرضي المظلوم . وقوله :

فإنَّ أَبي ووَالِدَهُ وعِرضِي لِعِرضِ محمًّدٍ مِنكُم وِقَاءُ
ج٦ / ص٤٣٣قال ابن قتيبة : يعني بالعِرض هنا النفس ، فكأنه قال : أبي وجدي ونفسي وقاية لنفس محمد .

وقال غيره : بل العِرض هنا هو الحرمة التي تنتهك بالسب والغيبة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا " . وقوله :

لِسانِي صَارِمٌ لا عَيبَ فِيهِ وبَحرِي لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ
الصَّارم : السَّيف القاطع ، ولا تكدره الدِّلاء : أي لا تغيره . وهذا مثل يضرب للرجل العظيم الحليم القوي الذي لا يبالي بما يرد عليه من الأمور ، وبهذا البيت كني حسان أبا الحسام رضي الله عنه وجازاه خيرًا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث