باب ما ذكر في مصر وأهلها وفي عمان
) باب ما ذكر في مصر وأهلها وفي عمان ( 2543 ) ( 226 و 227 ) [ 2448 ] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا - أَوْ قَالَ : ذِمَّةً وَصِهْرًا - فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا، قَالَ : فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا . وفي أخرى : فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما . ( 83 ) ومن باب : ما ذكر في مصر وأهلها وأهل عمان ( قوله : إنكم ستفتحون مصر ، وهي أرض يسمََّّى فيها القيراط ) هذا إخبار بأمر غيب ، وقع على نحو ما أخبر ، فكان دليلاً من أدلة نبوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
ومعنى يسمى فيها القيراط : يعني به : أنه يدور على ألسنتهم كثيرًا ، وكذلك هو ، إذ لا ينفك متعاملات من أهل مصر عن ذكره غالبًا ، لأنَّ أجزاء الدنيا الأربعة والعشرين يسمونها : قراريط ، وقطع الدراهم يسمونها : قراريط ، بخلاف غيرهم من أهل الأقاليم ، فإنَّهم يسمُّون ذلك بأسماء أخر ، فأهل العراق يسمُّون ذلك : طسُّوجًا ورزة ، وأهل الشام : قرطيس ، ونحو ذلك . و ( قوله : فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها ، فإنَّ لهم ذمة ورحمًا ، أو قال : صهرًا ) الذمة : الحرمة . والذمام : الاحترام ، وقد يكون ذلك لعهد سابق كعهد أهل الذمَّة ، وقد يكون ذلك ابتداء إكرام ، وهذا هو المراد بالذمة هنا ، والله تعالى أعلم ، إذ لم يكن لأهل مصر من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عهد سابق ، وإنما أراد : أن لهم حقًّا لرحمهم ، أو صهرهم ، ويحتمل أن يكون معناه : أنهم يكون لهم عهد بما يعقد لهم من ذلك حين الفتح .
وهذا التأويل على بُعده يعضده ما رواه ابن هشام من حديث عمر مولى غفرة : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : الله ! الله في أهل المدرة السوداء السُّحم الجعاد ، فإنَّ لهم نسبًا وصهرًا . قال عمر : فنسبهم : أن أم إسماعيل منهم ، وصهرهم : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسرى منهم . قال ابن لهيعة : أم إسماعيل هاجر من أم العرب : قرية كانت أمام الفرما ، وأم إبراهيم مارية سرية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي أهداها له المقوقس من حَفْن من كورة أنصنا .
والمدرة : واحدة المدر ، والعرب تسمي القرية : المدرة ، وأهل المدر : أهل القرى . والسحم : السود ، جمع أسحم ، وهو الشديد الأدمة ، وفوقه : الصحمة - بالصاد - . والجعاد : المتكسرو الشعور ، وهذه أوصاف أهل صعيد مصر غالبًا ، وقد تقدَّم ذكر هاجر .
والفرما : قرية من عمل صعيد مصر ، سميت باسم بانيها ، وهو الفرما بن قليقس ، ويقال : ابن قليس ، ومعناه : محب الغرس ، وهو أخو الإسكندر [ بن قليس اليوناني ، ذكره الطبري ، وذكر أن الإسكندر ] حين بنى الإسكندرية ، قال : أبني مدينة فقيرة إلى الله غنية عن الناس ، وقال الفرما : أبني مدينة غنية عن الله فقيرة إلى الناس ، فسلَّط الله تعالى عليها الخراب سريعًا ، فذهب رسمها وبقيت الإسكندرية . وسميت مصر بمصر بن النبيط ولد كوش بن كنعان ، وقال أبو العباس : اشتقاق مصر من المصر ، وهو القطع ، كأنها قُطعت من الخراب ، ومنه : المصر : الحاجز ، ومصور الدار : حدودها . وحفن : قرية مارية سُرِّية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصعيد معروفة ، وهي التي كلم الحسن بن علي معاوية أن يضع الخراج عن أهلها لوصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهم ، ففعل معاوية ذلك ، ذكره أبو عبيد في الأموال .
وأنصنا : مدينة السحرة ، وحفن من عملها ، والمقوقس : هو ملك مصر بعث له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاطب بن أبي بلتعة ، وجبرًا مولى أبي رُهم بكتاب ، فلم يبعد عن الإسلام ، وأهدى له مارية ، ويقال : وأختها سيرين ، وبغلة تسمَّى : الدَّلدل . والدلدل : القنفذ العظيم . والمقوقس : المطوِّل للبناء .
يقال في المثل : أنا في القوس ، وأنت بالقوقوس فمتى نجتمع ؟! و ( قوله : فإذا رأيتم رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة فاخرج منها ) يعني بذلك : كثرة أهلها ، ومشاحتهم في أرضها ، واشتغالهم بالزراعة والغرس عن الجهاد ، وإظهار الدين ، ولذلك أمره بالخروج منها إلى مواضع الجهاد ، ويحتمل أن يكون ذلك لأنَّ الناس إذا ازدحموا على الأرض ، وتنافسوا في ذلك كثرت خصومتهم وشرورهم ، وفشا فيهم البخل والشر ، فيتعين الفرار من محل يكون كذلك ، إن وجد محلَّا آخر خليًا عن ذلك ، وهيهات كان هذا في الصدر الأول ، وأما اليوم ، فوجود ذلك في غاية البعد ، إذ في كل واد بنو سعد . واللبنة : الطوبة ، وتجمع لبن . وفيه من الفقه : الأمر بالرفق بأهل أرياف مصر ، وصعيدها ، والإحسان إليهم ، وخصوصًا أهل تينك القريتين ، لما ذكر من تينك الخصوصيتين .